|
|
|
محمد عبد الله الحسو: شقيق الروح وتوأم الوجدان شاعر الطبيعة والألم...!
"أجمل ما في الحياة أن تصادق شاعراً وتلازمه، إنه ينفحك نفحات روحه، ويسقيك من معين وجدانه، ويرفع روحك إلى المقام العالي الذي ترتع فيه روحه" شَجَنٌ روحه... وأسىً فؤاده... وجيع آلآم... وضجيع أحزان... رهيف الحِسّ... مُنيف الشعور... نبيل الفكر... طاهر الوجدان... عفيف اللسان... وَضّاء الجَنَان... على ظهر الأرض وَهْناً مشى... وَطَيفاً سرى... ما أَقلَق حصباء ولا أثار ثَرى... خطاه على الأرض سلام... ولكلِّ الناس أمن وأمان... منبع محبة... ومعين تحنان... عاشق ولهان... وبالطبيعة هوَّام... وفي أجوائها حوّام... على أوراق الورد والشجر تَرف روحه... ويتساكب وجدانه... كم من مرّةٍ رأيته وهو يتحسّس بأنامل يده ورقة زهرة هنا... وورقة شجرة هناك... وكأنّ أنامل يده تشارك عينيه في استجلاء جمال الخِلقة حيثما تراءَى له ذلك الجمال...! وإذا ما أطلّ الخريف... وهلَّت باكرات المطر... رقص قلبه طرباً... وابتهجت نفسه... ووقف تحت السماء يستقبل رذاذه بغبطة وجَذل وكأنه يريد أن يتحَمَّم ممّا عَلِقَ به من شجون وشؤون... ويطفيء هجير الصيف وظمأه ولهب حَرّه... فالماء مراتع مباهجه... مطراً كان أو جدولاً أو ساقية أو نهراً... تضمه إليه أحاسيسه ومشاعره فتنتشي وتهتز حياةً... وتتألق طهراً... وتتسامى لطفاً... وهذا هو مصداق قوله تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) كانت له صخرة... على ضفة دجلة... نمضي إليها معاً... ونجلس متقاربين... بينما مطر خفيف يداعب جسمينا... فلا يلبث أن يفرش مظلته فتغطي نصفينا المتقاربين... بينما نصفانا الآخران مكشوفان يَبُلُّهُما المطر، ونحن في نشوة لا نبالي معها بِلَّة ولا بللاً...! وفي السواقي بين الشجر... ينثر نفسه ثم يَلُمّها... ينشرها ويطويها... يبسطها ويقبضها... يفرقها ثم يجمعها...! وساقية من بين السواقي يختار... يجلس إليها ويخاطبها... سلاماً أيتها الساقية الجميلة... أتسمحين وتتلطفين وتقبلين أن أغمس قدميّ في مائك هذا العَذب السلسبيل...؟ وإذا ما فعل وغمرَ ماؤها قدميه... إهتزّ حبوراً... وغشيه سرور طفولي بريء... وكأنه يتذوق لأول مرة روح الحياة من مياه هذه الساقية... ثم يذهب في استبحار فكري... فيغيب عن كُلِّ مَن حوله وما حوله... فيظلُّ في هذا الذهول السّهوم ما شاء الله له أن يظل... فلا يسع جليسه غير احترام صمته... وعدم تعكير صفو ساعته... فلا يجرؤ على التحدث إليه حتى يبدو عليه أنه أفاق من ذهوله... وحتى يكون هو المبادر بالكلام... فيبادرني بقراءة بعض أبيات من شعره أو شعر شاعر غيره... أو يفجؤني بحكمة من كتاب كان قد قرأه... أو عبارة موحية كان قد وجدها مسطورة في مقال...! وكان من عادته إذا ما غادر البيت قاصداً أيّ مكان –حتى ولو كان زيارة صديق في مستشفى- أن يحمل معه حقيبة متوسطة الحجم فيها بعضٌ مختارٌ من دُرَرِ الكلام... وإذا كُنَّا جلوساً في أي مكان مَدَّ يده واستخرج ما تقع عليه يده من هذا الكنز الفكري... فيقرأ لي ويسألني الرأي فيما قرأ شعراً كان أو نثراً... وهكذا نظل نتبادل الحديث ونتجاذب أطرافه، تظللنا سحائب من حماسة الفكر ومشاعر الوجدان... بينما تظلُّ قدماه مغموستين بمياه الساقية...! وعلى حين غِرّة، وكالملدوغ يسحب قدميه من الساقية فأعجب وأتساءل: ماذا جرى...؟! فيردُ قائلاً: ألم تسمع...؟ قلتُ: ماذا أسمع...؟ قال: بكاء الساقية وتوجعها وشكواها... إنها تسكب ألمها في أذن روحي... وتهمس بشكواها في أسماع ضميري... فتقول: لقد آلمتني بقدميك هاتين... وأزعجتَ سكينتي... وعكّرت صفائي... وآذيت أحلامي... وكأنّ زوبعة سافية ضربتني... وقلبتْ عالي أمري سافله...! وهاهي ترثيني فتقول: آهٍ يا شاعري الحزين... يا مرآةً مكسورةً... يا قلماً مثلوماً... يا وجداً محموماً... يا شوقاً محروماً... يا لياليَ عذاب... في قفرٍ يَبَاب... كيف تضيءُ نهاراتُك إذا كانت لياليك... حاسِرَاتٍ حافيات متسكعات... ومتسمعات من وراء الأبواب الموصدات لآهات المعذبين... وأنّاتِ المتوجعين...؟! يا شاعري... أين أطياف الأماني... أهُنّ حقاً قادمات... أم هُنّ على الأعقاب ناكصات... أم هُنّ دفينات الجوى... نزيلات الضنى... مقهورات مقصورات في أخبية القصيات من خفيات الضمائر... وغائرات الأفكار والمشاعر...؟! الساقية تتكلم... تبكي وتتألم... إنها صديقة نفسي... تسقيني بَردَ الأمل... وعَذبَ الخيال... وتغمرني بالرؤى والأحلام.... إنها تعزي روحي... وتسري بالعزاء إلى سرائر الضمير... وخفايا النفس... إنها لا زالت ترمقني وترمق لوعتي وبرحائي بمزيد من الأشفاق... إنها تريد أن تهزّ أوتار الحياة في منظومة أيامي... وتسعى لكي ترفعني إلى سماء من السعادة المطلقة التي تندُّ عن الوصف بالكلمات والأفكار...! إنها صاحبة لغة وكلام... لغتها الضياء... وكلامها هسهسات الموج... لا يفهمه إلاّ قلوب المحبين الآتين لغمر مضانكهم في مويجات مياهها... والآيبين إليها مآبَ المشوق إلى الملاذ الموموق...! وتمضي الساقية في الخطاب فتقول: يا شاعري... يا ظلَّ الروح والشجر... فوق أطلال الحجر... الحجر المهدوم هو قلب محطوم... وروح مهزوم... وفكر مأزوم... وحضارة شَلاَّء... ومدنية عرجاء... وأمة خرساء... وتاريخ موؤد... وليل دامس... ونهار أبتر... وغدٌ أعسر... يا شاعري: أنت على هذا العصر شاهد... حاضر غير غائب... تسمع الأنّات... وتسجّل الآهات... وتكتب القصيد... في ليلك هذا الطويل...! وعُراة الشجر... وَصُوَّاح الزهر... يبكين البلبل الصدّاح... في ليالي القمر... وباكرات السحر... والسؤال الكبير... متى يأتي الربيع... متى يأتي الربيع...؟!
أديب الدباغ
|
|
فتح الله كولن: داعية الإيمان ورجل الأمن والسلام..! بقلم: أديب إبراهيم الدباغ
"فتح الله كولن" مفكر تركي معاصر؛ رفيع الفكر، وَضَّاء الروح، سامي الضمير، يقظ الفؤاد، مَوَّار الذكاء، خصب العطاء، ذو روحية دينية عميقة وواسعة، غير تقليدية ولا نمطية، ترتفع مصعدة حتى تلامس أصفى ما في سماوات التصوف من نقاء، ثمَّ تعود لتتسلق أعلى درجات الفكر، وأسمى ما وصل إليه العقل عن علاقة الإنسان بالكون والطبيعة والحياة. إشعاع قواه النفسية والفكرية إلى مَن حوله يزيدهم ثقةً به، والتفاتًا إليه، وتقربًا منه؛ وعلى الرغم من أنَّ أعماقه فوَّارة بالأسى على حال المسلمين غير أن فكره يفيض دومًا بالضياء الهادئ الجميل ليصبح أنسَ الخائفين، وهديَ التائهين، وقوتًا لجوعى الأرواح، واصطلاءً لمقروري الأنفس، ونورًا لديجور القلوب، وفجرًا لليالي العقول.. ذو ملكة إيمانية تملك عليه أقطار نفسه، وجوانب فكره، تجدها ظاهرة واضحة الظهور في كتاباته إذا كتب، وفي أقواله إذا قال أو تحدث أو وعظ... إننا نستطيع أنْ نتخيله مجردًا من كثير من خلائقه ولكن يستحيل علينا أَنْ نتخيله مسلوبًا من ملكته الإيمانية، لأنها جزء من نفسه، وقطعة من كيانه، وشطر من قلبه، وفلذة من فلذات روحه، مفطور عليها، ومولود بها، تصحبه ويصحبها، إذا حزبه أمر، ونزلت به النوازل، وادلهمت عليه الخطوب، آوى إليها، وبها اعتصم، فإِذا به رابط الجأش، واسع الصبر، قوي الاحتمال، مع إمعان نظر، وعِظَم ثقة، وطيب نفس، وبسمة أسف وأسى... ركين لا تهزه العواصف، ولا توهنه الأزمات، عنه يأخذ الآخرون العزائم، فيشدُّ عضدهم، ويزيد من صلابة إراداتهم. في طوايا روحه قوة خافية لا تنكشف إلاَّ عند الحاجة إليها، إنها قدرة وقوة محيرة، فلا نعرف أيَّ أنواع من القدرة هي، أهي قدرة على الخلق والإبداع، أم قدرة على العزيمة والمضاء، أم هي قدرة جَذَّابة تجذب البعيد حتى يقترب، وتطوي القريب حتى يلتحم، وهي في كل الأحوال تشي بعبقرية الرجل، وتنبّئ عن عظيم إنسانيته. و"كولن" شمولي الفكر، وسيع النظر، عميق الإدراك، مستقبلي التوجه، عظيم الرجاء، يرى في "الدين" لبَّ الحقائق كلها، وعصارة روح الكون، ونبضات قلب الوجود، ومرايا لعرش الله تعالى، إنَّ من حق هذه الحقيقة على الإنسانية -وهي بهذا الشأن العظيم- أنْ تلزم الكفاح من أجلها، والدفاع عنها، وإحاطتها بالقداسة والتعظيم، وأنْ تجعل منها نبراسًا ومنارًا يهديها إلى الحق ويأخذ بيدها إلى الصراط المستقيم، والطريق القويم. فما من أحد غالب اليأس مغالبته إيَّاه، وما من أحد ابتعث أسباب الرجاء ابتعاثَهُ لها، لا يُساوِمُ ولا يُسَاوَمُ، يُجَدِّدُ ولا يُجَدِّفُ، لا يرفو المعثوث، ولا يرقِّعُ المخروق، بل يصهر الإنسان في بوتقة فكره ثمَّ يشكل من المعدن البشري المصهور إنسانًا جديدًا هو فوق الإنسان، ودون الملاك. إنَّه إنساني النـزعة، يحب الإنسانَ من حيث كونه إنسانًا، ويشفق عليه، ويخدمه، ويبكيه مُرَّ البكاء، ويسعى للتخفيف من آلامه وأحزانه، ويَدُلُّهُ على مناحي عظمته الغائبة عنه، ويربأ به أن يعادي نفسه، ويحطم ذاته، ويشتت شمل فكره. و"كولن" وَقَّافٌ عند "النَّص الديني" لا يغادره حتى يشبعه درسًا وتفسيرًا وتأويلاً، المنقول والمعقول عنده متلازمان، يقيس الغائب على الشاهد، والمعنوي على الحِسِّي، وما وراء العالم على شبيهه ومثاله من العالم نفسه، إنَّه يَمُدُّ الإنسانَ بمَجَسَّات جديدة، يَتَحَسَّسُ بها حقائق الأشياء في ذاته، وذات الكون والحياة، وهذا الذي نقوله نلمسه في أكبر كتبه وأصغرها على حدٍّ سواء، فقد كان يعالج قضايا غاية في التعقيد، وغاية في الانحراف، غير أَنَّ انفعاله لم يؤثر على اتّزانه العقلي، وعلى ركانة قلمه، ومع ذلك لم يمنعه من انحدار دمعه الذي يحمل من الإشفاق والرثاء للإنسان ما تحمله قطرات البحار من ثراء شجي، وحزن أسيف، على غرقاها من بني البشر. ففي كتابه الشهير "طرق الإرشاد في الفكر والحياة" يعزو "كولن" غالب إحباطاتنا إلى ضعف قدراتنا على الفهم الواسع والعميق لما ننوي القيام به من عمل، فأيُّ عمل لا يصح ما لم يصح الفهم عنه أولاً، فعسر الفهم يولد عسر العمل، ومن إشكالية ضعف الفهم تتولد أحلام اليقظة المفضية إلى التهويم في غمرة مشاريع خيالية لا تُسمن ولا تُغْني من جوع، وهكذا تتناسل الإحباطات بعضها من بعض إلى أنْ يأتي اليوم الذي يفقد فيه صاحبها الثقة بنفسه وأنه لم يعد ينفع لفهم أو عمل. لقد غدا واجبًا على المفكرين -كما يرى "كولن"- أن يستخدم كُلُّ واحد منهم فكره من أجل تنشيط القوة الإبداعية في روح الأمة من جديد؛ ففقدان هذه القوة يجعل الأمة تفقد رغبتها في الإنشاء الفكري والبناء الإعماري، فيميل أبناؤها إلى الدَّعة والتبطل، والركون إلى التسلية والمجون، فلا يبنون ولا ينشؤون، فالفكر الحق لا يبلغ أسمى أهدافه إلاَّ بخدمة هذه القوة الإبداعية وتفعيلها في كيانات الأمة لكي تستطيع مسابقة الزمن، ومسايرة العصر، فالحياة المَعِيشة ينبغي أن تشكل لنا سؤالاً مؤلمًا وقاطعًا يتطلب منا جوابًا قبل ممارستنا لأسباب الحياة، وهذا الجواب هو ما يحاول "كولن" الدعوة إليه من خلال كتبه وأفكاره، فهو يرى أنَّ الأمة التي تخاف تبعات وجودها أمة لا تستحق أنْ توجد، لأنها تظلُّ منكفئة على نفسها تستذكر الخوالي من أيامها، والأمجاد من ماضيها، دون محاولة منها للإضافة والتجديد، فأيُّ صاحب قلم إذا لم يكن قادرًا على الإتيان بما يؤجج الحيوية الخامدة في قرائه فأولى به أن يكسر قلمه، ويهريق مداد دواته لأنه يضر أكثر مما ينفع، فالأقلام التي لا تدفع قرّاءها إلى اقتحام غمرات المجاهيل في الفكر والحياة، والمضي إلى أبعد مناطق الروح، وقارَّات النفس، فإنها أقلام مثلوّمة كسْرها أنفع من جبْرها..!
|
|
الإنسان وروح العصر
بقلم: أديب إبراهيم الدباغ
كثيرًا ما يجري على أقلام الكتّاب والمفكرين مصطلح "روح العصر" في معرض بيان التوجهات الفكرية والروحية السائدة في زمن من الأزمان، ولتشخيص الطابع الفكري العام المميز له عن الحقب الزمانية التي سبقته. ويتشكل "روح العصر" من قوى فكرية تعمل على تغذيته وإمداده بمقومات الفاعلية والتأثير في محيطيه الزماني والمكاني، فقوة أي فكر وقوة تأثيره، تتأتى من قوة صدقه، ومن قوة الحق الذي يحمله. وهذه القوة هي مظهر من مظاهر قوة الله وعظمته وتجليات جلاله وجماله على الأذهان والأرواح. وإنه لمن المفزع أن نلمس في "روح هذا العصر" قصورًا معيبًا وعجزًا بينًا عن تغطية الجوانب الروحانية في الإنسان، الأمر الذي غدا من أوجب واجبات المفكر الغيور على شرف الإنسانية أن يسعى إلى إمداد فتيل هذا الروح بالزيت الذي يعيد إليه توهجه الروحي من جديد. وقد كان "فتح الله كولن" واحدًا من المفكرين القلائل الذين انتبهوا إلى مخاطر انطفاء هذا الروح وموته على حياة البشرية، فمن غير روح عظيم يظلّها ويغار على موروثاتها الدينية والأخلاقية والحضارية تظل البشرية تشعر باليتم الروحي والتأزم العقلي طوال حياتها. فالتفكير العقلي الخالص -كما يرى كولن- غير قادر على إنقاذ البشرية مما يتهددها من مخاطر الجفاف الديني والأخلاقي، هذا الجفاف الباعث على الرعب من الإنسان وعلى الإنسان، لأنه نوع من الجحيم الداخلي الذي يلتهم نفس صاحبه ويلفح بنيرانه نفوس الآخرين. فالنفوس الجرداء والمجدبة غير قادرة على إنجاز عمل فكري عظيم يثري عقل العصر ويمده بأسباب اليقين الإيماني، فالأستاذ "كولن" ومن منطلق كونه مواطنًا إنسانيًا يسهم مع كل المفكرين الإنسانيين المهمومين بمشاكل العالم، لإنقاذ روح العصر مما يتهدده من مخاطر، وهو يدعو هؤلاء المفكرين أينما كانوا إلى أن يرتبطوا بميثاق شرف إنساني من أجل هذه الغاية العظمى التي لا أنبل منها ولا أعظم. وقد كان لـ"كولن" شرف المسارعة إلى مباركة التجمع الشرفي لمواطنيه الأتراك من مفكرين وأخلاقيين وأدباء وشعراء وفنانين وفلاسفة وصحفيين وعلماء ورجال دين وتجار ورجال أعمال، متجاوزين في تجمعهم هذا كل خلافاتهم ومناقضاتهم، ومكرسين أنفسهم لهدف واحد هو الوقوف مع الإنسان في استعادة مكانته الروحية في هذا العالم. والتجربة التركية -بحسب المختصين- من أنجح التجارب وأخصبها التي يمكن لأية تجربة على مستوى العالم أن تفيد منها وتتخدها نموذجًا يمكن اعتماده من قبل المؤسسات والهيئات المعنية بالشؤون الروحية للإنسان وأخلاقيات ضمير العالم. فذهنية العصر المرهقة والمعذَّبة مخيفة إلى حد الجنون، لما يمكن أن تجره على البشرية -في ساعة من ساعات السأم- من مآسٍ وآلام، ومع ذلك فإن هذه الذهنية واثقة من نفسها إلى حد يجعلها لا تقيم وزنًا لمتطلبات إعادة النظر فيما خلفته من أوجاع للضمير البشري على هذه الأرض وما تعانيه من "الكسل الروحي" لا يقلقها إلا بمقدار قلقها من فشل تجربة يجريها أحد علمائها على فأر من فئران الاختبار، إنه عقل فاتر الهمة بكل ما يخص الجانب الروحاني من الإنسان. وهذا هو ما يثير قلق "كولن" ويجعله معنيًا كل العناية بمشاكل عقل العصر وانعكاساته الخطيرة على معتقدات الناس أفرادًا وجماعات. فعقل العصر وحده بلا روح يصحبه، ولا قلب يخالطه. قد يهيج كما تهيج الغرائز المتفلتة من عقالها، فيرغي ويزبد ويجدِّف ويدمر، ويثير من الفزع على مثاليات الإنسان الأخلاقية والدينية ما لا يطاق، فالنمو المفرط في الوظائف الذهنية الخالصة من جانب، والضمور الروحي والوجداني المفرط من جانب آخر، هو سبب اختلال توازن شخصية الإنسان المعاصر. وما بين روح العصر وروح "العظيم" أكثر من نسب وصلة، فينجذب أحدهما إلى الآخر ليتبادلا فيما بينهما القوى الإدراكية والمعرفية عند كليهما. فروح العصر قمين بأرواح عظماء الرجال، فكم من عظيم استطاع أنْ يطوي روح العصر في أعماق روحه. فعظماء كل عصر هم الذين يحركون روح العصر ويصوغون توجهاته الفكرية والروحية من جديد، ويقودونه إلى حيث تقودهم قواهم الروحية الجبَّارة.. فالبشرية وإن اختلفت شعوبها جنسًا ووطنًا وثقافةً وحضارةً، غير أنها تشكل وحدة روحية واحدة، يظلها عصر واحد، ويهيمن عليها روح هذا العصر، فالنظرة الاستنكافية لشعب من الشعوب من أن يكون واحدًا في هذا الجسم الشعوبي الوحْدوي ما هو إلاَّ استثناءً من توافق إنساني غير مقصود، ووترًا نشازًا في سمفونية التناغم الشعوبي، وتحديًا للمشيئة الكونية ذات الطابع التناغمي والانسجامي، فعذابات الشعوب مهما كانت أليمة لا تستطيع أن تؤثر على إراداتها في تعلم أنماط جديدة من السلوك الإنساني بعضها مع البعض الآخر، وإلا تعذَّر عليها مواصلة الحياة وتبادل أشلاء الأحزان فيما بينها لتظلَّ إنسانيتنا سالمة ونحن نتعامل بها مع الآخرين كاملة غير منقوصة. فروح العصر الذي يمدُّ شعوب كرتنا الأرضية بتوجهاتها الفكرية والروحية، يفتقر اليوم إلى ذلك الفيض الروحاني الذي يساعده على أداء مهمته الارتقائية بروح الإنسان، الأمر الذي شكّل حافزًا ملحًا على مفكري العالم المعنيين بالشؤون الفكرية والروحية للإنسان لكي يتكاتفوا جميعًا من أجل إمداد هذا الروح بالمزيد من القوى التي بات الإنسان اليوم في حاجة إليها أكثر من أي زمن آخر... وهذه المهمة النبيلة هي التي نذر إليها الأستاذ "فتح الله كولن" نفسه وكرّس حياته وقلمه لها، فهذا الهدف الأخلاقي والإنساني يبلغ من السمو عند "كولن" إلى حد التخلي عن حياته نفسها إذا اقتضى الأمر -كما يقول- لكي يعمل للوصول إليه وتحقيقه فوق ظهر هذه الأرض، و"كولن" ليس "طوباويًا" غارقًا في الخيال كما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، إنه وجد في "المدرسة" المبنية على مزيج من روحانية السماء وعلوم الأرض آليةً لهذا العمل الكبير والنبيل، فشجع على الإكثار منها ونشرها في تخوم العالم لتخريج المثقف الواعي والعالي الذي يجد نفسه على وفاق مع الكون وفي الوقت نفسه على وفاق مع الروح التي بين جنبيه.
|
|
alhasso.com
Top of Page اعلى الصفحة
View our Guest Book يرجى اعطاء رأيك في دفتر الزوار Home Page |