alhasso.com موقع الحسـو

خواطر وتأملات للكاتب أديب ابراهيم  الدباغ

Home Page - االصفحة الرئيسية

مهندسو الروح..الربانيون

قد يمط بعضهم شفتيه استخفافًا إذا ما ذُكِرتْ القيم الأخلاقية والأعماق الداخلية للإنسان وأهمية الحياة القلبية والروحية؛ لكن ما من شك في أن السبيل الواصلة إلى الإنسانية الحقيقية تمر عبر هذه القيم والحركيات السامية

محمد فتح الله كولن

في آفاق النور - اديب ابراهيم الدباغ

مدخل إلى فلسفة "النورسي" التربوية

لو شئنا أَنْ نلخص فلسفة "النورسي" التي تُوَجِّهُ منطلقاته في "التربية السلوكية" للأفراد والجماعات لقلنا إنَّها كلمتان اثنتان لا يعدوهما، وهما "الجمال والجلال"، فالجمال عنده هو لُبُّ الحقيقة الإنسانية، ولُبُّ كُلِّ الحقائق في الوجود.
فجمال الحقيقة الإنسانية لا بُدَّ له من مِرْآةٍ ينعكس عليها ويتجلَّى فيها، والسلوك البشري في الفكر والحياة هو المرآة التي تعكس من صور هذا الجمال على قَدْرِ استشعار الإنسان بقيمته الجمالية النفيسة في هذا العالم، ومن حيثُ كَوْنُه سيدَ الكائنات، وأعلاها قَدْراً، وأعظمها قدرةً على ترجمة إشارات الجمال في سويداء الروح إلى سلوكٍ حياتي، وشعورٍ وجداني، ومنهج ذهني يمارس من خلاله شؤونه المعيشية والحياتية، ويُقَوِّمُ على ضوئه ما يعرض له من أفكار ومذاهب، فيحكم لها أو يحكم عليها، في إطارٍ من رُؤى ذوقية سامية المنشأ، رفيعة المنبع، يتناول برهافتها المعاني والمباني، ويتعامل بموجبها مع كليات الأفكار وجزئياتها وتشكلاتها في بُنَى الإنسان الحضارية والمدنية، ونشاطاته الفنية والأدبية والفلسفية 

الفهرست

الدين والتاريخ في منظومة الأمة الفكرية..!

عَبَدة الدنيا

الأغلال المتكسرة

داعية الإيمان ورجل الأمن والسلام..!

الإنسان وروح العصر

الانفجار الفكري الكبير

المجدِّدون الشباب

على حافات الانكسار الحضاري

الاستيعابية الفكرية للكينونة البشرية في رسائل النور

في آفاق النور

شاعر الطبيعة والألم...!

!... هؤلاء المجانين

 

 

الدين والتاريخ في منظومة الأمة الفكرية..!

بقلم: أديب إبراهيم الدباغ

-1-

هذا الدين صَنَعَ أُمَّة، وشكَّل تاريخًا، وأَقام حضارة، وأَنشأَ أخلاقًا وسلوكًا، وجمالاً وأذواقًا، ووجدانات رفيعة، وعقولاً حصيفة، وخيالاً واسعًا، وشعرًا وأدبًا، ولغة صافية مهذّبة.

فالتاريخ عند هذه الأمة هو بعض نفسها، وجزء من روحها وقلبها وفكرها، وتتراءى في مرآته، وتتجلّى على صفحاته، ودينها كذلك يتراءى أكثر ما يتراءى في البطولي والإعجازي والأخلاقي من تاريخها.

فالتاريخ والدين وجْهان لهذه الأمة، يحضران معًا، ويلتقيان في أقلام الكاتبين عن دينها والكاتبين عن تاريخها، لأنه لا يُفْهَمُ دينها إلاَّ على ضوء تاريخها، ولا تاريخها يُفْهَمُ من غير دينها، فهما متداخلان متنافذان، ووجودان يشكّلان وجودًا واحدًا، وقد كان هذا الاندماج بين الديني والتاريخي سببًا في نشوء واحد من علوم القرآن باسم علم "أسباب النـزول" الذي يُعْنَى بأسباب نزول آيِ القرآن الكريم وارتباط هذا النـزول يوقائع وأحداثٍ حياتية وتاريخية للأفراد والجماعات والأمم للاستعانة به على فهم القرآن الكريم والإحاطة بِمَدلولاته ومقاصده في الآية الواحدة أو الآيات الكثيرات، وإنْ كان الاعتبار الأول لعموم اللفظ وليس لخصوص السبب كما يقول علماؤنا.([1])

وأودّ أن أشير هنا إلى أنَّ هذا التاريخ على امتداده وسعته قاصر عن استيعاب متطلبات دين هذه الأمة التي تتجاوز كُلَّ حدود، ولا تقف عند حدود. ففي قدرة هذا الدين أن يصنع تاريخًا جديدًا برموزه ورجاله وأبطاله عندما يخلو أيُّ زمان من أزمنة هذه الأمة منهم.

 

-2-

فتاريخ هذه الأمة مصنوع دينها، ولما كان مادة أي تاريخ هو الإنسان، ولما كان الإنسان ليس بكيان ثابت غير متغير، بل هو مشروع تجربة وتغيير في كل حين، لذلك فإنَّ إنشاء هذا التاريخ بإلهامات الدين في هذا العصر أمر ممكن إذا توفّرت الإرادة والفكر التجديدي القويم، لاسيما وأنَّ في داخل كل إنسان طاقة دافعة باتجاه التغيير والتجديد.

وقد التفت "محمد فتح الله كولن" أحد مفكري هذا العصر إلى هذه الخاصية في هذا الدين، فدعا ولا زال يدعو إلى أن تكون للجماعة المؤمنة في هذا العصر أبطالها ورموزها ونماذجها، ليس بالضرورة من أجل أن ندير ظهورنا لرموز تاريخنا وأبطاله الماضين، بل استجابة لحيوية هذا الدين التي لا تتوقف عند زمان دون زمان، بل لا بد لكل زمان من "تاريخ مصغّر" له أبطاله ورموزه ونماذجه التي تضيء وتتألق وتكون للأجيال من خلفها حافزًا وملهمًا، حيث يمكن معاينتهم على الطبيعة، ومقاربتهم والإحساس بهم كبشريين من لحم ودم يتحركون بيننا وليس كأشباح يطلّون علينا من بطون التاريخ البعيد.([2])

و"كولن" إذْ يضع أُذُنَهُ على قلب الجماعة المؤمنة يحس بنبضات هذا القلب وتطلعاته إلى استمرارية تدفق هذا التاريخ في جميع الأزمنة، فلا يتوقف عند حقبة من حقبه، ومهما تكن إمكاناتهم متواضعة غير أنهم راغبون بأن يجعلوا من أنفسهم جسورًا يعبر التاريخ من فوقها ويتخذ منهم أبطاله ونماذجه ورموزه لهذا العصر، وهم إذ يفعلون ذلك يبلّغون أسمى أهدافهم في خدمة دينهم وتاريخهم على حد سواء.

إنَّ من أكثر الأقلام أمانةً هي الأقلام التي تكرّس نفسها لتنشيط هذه الأمة وتحفيزها وتحريك طاقاتها، والأخذ بيدها لتحتلّ موقعها الحضاري بين حضارات العالَم، وموقعها الفكري بين أساطين مفكّري الدنيا، وذلك من خلال تعميق إدراكها بالمعنى الإلهي للحياة ولغاية الوجود كما يراها دينها، وهذا المفهوم الإلهي للحياة والوجود وإنْ كان في ظاهره يعني هذه الأمة دون غيرها، غير أنه في المحصلة النهائية يعني كذلك قضية الجنس البشري برمته.

 

-3-

فالاستماع بالحياة معايشتها بكافة أبعادها، والاحتفاء بها، واحترامها، والنظر إليها بعين القداسة، من ركائز دين هذه الأمة، وهي بذلك تخالف المفهوم المأساوي والإحباطي الذي يدين به رجال الفكر السوداويّون، فرجال هذه الأمة حتّى أولئك المضتجعون في قبورهم تصفح آثارهم على أنهم عاشوا في قلب الحياة الفوَّار والموَّار بقوى الخلق والإبداع والتجديد، وأنهم نسجوا خيوط مصائرهم بأيديهم فبلغوا من العظمة الإنسانية حدًّا غدا مناط تقدير رجال الفكر العالميين.

فعلينا أن نكون على وعي بأنَّ "المسلم" هو طاقة زمانية ساكنة، وأنه يمكن أنْ تتفجر في كل مرحلة من مراحل الزمن، إذا هي وجدت مَنْ يحسن إشعال فتيل تفجيرها، وعندما سوف يصبح الكون نفسه أضيق من أن يستوعب وثبات ذهنه، وانطلاقات روحه مسجّلاً بهذه الوثبات والانطلاقات مرحلة من مراحل تاريخ العالم، فيظلُّ المؤرخون يحسُّون بحرارتها عبرَ الأجيال جيلاً بعد جيل.

إنهم الصفوة المستنيرة، والطليعة الوثَّبة، تقذف بها إلى شاطئ الإمكان أمواج الزمن لتمسك بزمام إحدى مراحل تاريخها، ولترسم واحدة من صورة البطولة المعيشة على أرض الواقع، ويكونون بذلك شهودًا على مرحلة من مراحل تاريخ أمتهم، وهم جديرون حقًّا بميراث أمّتهم الديني والتاريخي

 

-4-

لقدرتهم على جعل هذا الميراث يؤتي ثمارًا جديدة. فعظمة أيّ تاريخ إنما هي من عظمة الروح التي تحرك أحداثه ووقائعه، وتدفعها بطابع الأبد، وسيّئات أي تاريخ إنما هي سيئات الجسد وقصر النظر أحلامه التي لا تجاوز الساعة واليوم والشهر والسنة، فما نحتاجه اليوم للخروج من محبس الزمن الخانق إلى طلاقة الخلود، إنما هو شهامة في القلب، وجذوة في الروح، وذكاء في العقل، وهمة قعساء، وإرادة شمَّاء، وغيرة على الحق، وتثبت بالعدل والخير والجمال.

 الفهرست


 

([1]) على سبيل المثال لا الحصر:

* ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾(الفِيل:1-5)

* ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾(قُرَيْش:1-4)

* ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾(الْمَسَد:1-5)

* ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾(الرُّوم:1-3)

* ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(الأَنْفَال:67)

* ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(التَّحْرِيم:1)

* ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا﴾(الأَحْزَاب:32)

* ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾(الْمُجَادِلَة:1)

* ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(التَّوْبِة:40)

* ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾(الأَحْزَاب:37)

([2]) حركة نماذجها من ذاتها،

 

 الفهرست

 

 

 

 

عَبَدة الدنيا..!

 

من عبَدة الدنيا لا تكن...

وأكبرَ همِّك لا تجعلها...

إنْ نظرتَ... وبعيني رأسك رأيتَ... خُدِعْتَ...

وعن حقيقة الدنيا حِدْتَ...

مع ركبِ العميا لا تَسِرْ...

وبعين قلبك فانظر...

إنْ نظرتَ...

سقط القناع...

وبَانَ الخداع...

وانكشف العُوار...

وإذا بها تراب من فوق تراب..!

 

***

 الفهرست

 

***

 

الأغلال المتكسرة..!

 بقلم أديب الدباغ

28-09-2010

نحن الأجيال الإيمانية الطالعة من أعماق ذات الأمة نرفض -منذ اليوم- أن يُحْكِمَ ذوي الرؤس الكبيرة أغلال أفكارهم في أعناقنا، وأن يحبسونا -كما في الماضي- في قمقم هذه الأفكار في عزلة تامة عن بواطن ذواتنا الإيمانية والتاريخية حتى فقدنا القدرة على ممارسة التفكير الذاتي المستقل، فلم نعد -بعد اليوم- أصفارًا على يسار الفكر، فقد نبتتْ فينا أفكار جديدة وفتية، ذاتية الانبات، عميقة الجذور، ثابتة الأصول، عالية الفروع، وستنقلب عن قريب إلى حقائق معيشة في حياتنا الفكرية والأخلاقية.

فالذات الساكن ماج بما فيه، والروح الخامد اشتعل وأضاء، وإذا كنَّا نخوض اليوم نزاعًا صاخبًا بين المنظومة الفكرية القديمة والمنظومة الجديدة والجريئة، فبفعل ما أحدثته كتب الأستاذ "فتح الله كولن" في النفوس من تغيير وتجديد، فأعماله الفكرية المبدعة كان لها تأثير ملحوظ على مجاري الأفكار في "تركيا" وفي أرجاء أخرى من العالم.

لقد بشَّر "كولن" منذ عهوده الأولى في ممارسة الكتابة بانهزام السيف أمام الذهن، وبأن قوة الذهن قوة سرمدية في تأثيرها على توجهات مسارات العالم الفكرية والروحية، بينما يبقى أثر السيف قاصرًا ومحدودًا وموقّتًا.

وأمتنا التي كانت تنهض من النوم كل صباح على فكرة واحدة وهي كيف تستطيع استئناف حياتها الإيمانية من جديد لم تعد تشعر بالإحباط وهي تتلمس طلائع الجيل النهضوي الجديد وهو يحث الخطى نحو هذا الهدف الذي ظلَّتْ أمّتنا تنتظره منذ زمن بعيد.

إنَّ نشاطات "كولن" الفكرية -ومن خلال كتبه ومحاضراته ومواعظه- دفعتنا لكي نأخذ مكاننا في الصف كرجال إيمان نكافح سوية من أجل الارتقاء الديني والإنساني، ودفعتنا كذلك لكي نكون مع الجانب الكفاحي من الحضارة الساعي إلى تغليب الفكر والروح على النوازع الجسدية الطاغية. وللتخفيف من غلواء الانفعالية الغضبية والبأسية التي تهدد البشرية بالمزيد من الدماء والأخزان.

وهكذا استطاع "كولن" أن يجعل "الدين" العاطفة الأكثر سعةً والأكثر غلبة على كل عواطفنا الأخرى، فغدونا مع الأيام متوحدين مستقلين لا مثنوية فينا مع ما نؤمن به ونعمل من أجله.

وهذه الذات "الغائبة الحاضرة" في مفهوم "كولن" مزيج مركب من روح القرآن، وروح الكون، وعقل الإنسان، وهو يرى ضرورة اعتمادها في أي مشروع نهضوي وحضاري كما يشرح ذلك لقرائه على صفحات كتابه القيم "ونحن نبني حضارتنا"، وهذه الذات بهذا التركيب المزجي مهيأة دون غيرها لابتعاث الحياة في روح الأمة وعقلها، ولاسيما إذا ما كان من رواء ذلك إرادة لا تنثني وتصميم لا يلتوي.

وهذه الإرادة وهذا التصميم يشكلان قوة دافعة نحو التغلب على التحديات والمثبطات في طريق النهوض المرتقب، فتأكيد "كولن" على خصوصية ذات الأمة بالمواصفات الآنفة قضية حياة أو موت. وهي تتطلب الخوض من أجلها أشدَّ الصراعات الفكرية مع المناوئين والمناهضين الذين لا يروق لها إلتفات الأمة إلى أرصدتها الذاتية واستخدامها كمنطلقات لوثوبها الحضاري القادم.

إنَّ صاحب هذه الذات لا يقبل أنْ يكون في مقام الفرجة على الوجود الإنساني من خارجه بغير اكتراث بإشكالاته وهمومه، بل يقذف بنفسه باعتباره معلمًا من معالم الحق على أباطيل العالم ليزهقها ويبددها، إنه صاحب الكلمة الأخيرة والكلمة الفصل على ما يلغط به الآخرون من كلام. إنه يتمتَّع بشيء من قدرات القرآن على تغيير النفس ومن ثـمَّة تغيير العالم، ومن هنا كان "كولن" يكرر أنَّ الإنسان الذي يجهل ما تنطوي عليه نفسه من طاقات للتغيير هو إنسان فاتر الهمة، ضعيف الإدراك، مهزوم الروح، مأزوم الذهن، كثير الوجل، سلبي السلوك.

فالهدف السامي دليل سمو صاحبه، وعظمته بعظمة أهدافه وآماله، وأعظم الأهداف هو أنْ يفهم الإنسان نفسه، ويدرك أبعاد ذاته، ويستوعب قدرات روحه وذهنه، وإذا ما ظلت نفوسنا جائعة للمعالي العالية، والمعاني العظيمة، وإلى كل ما هو متفوق وبطولي وإعجازي في أفكارنا ومعتقداتنا، فذاك دليل صحتنا النفسية والعقلية، وإننا مهيأون لكي نمضي في طريقنا الحضاري إلى أمداء أبعد، ومسالك أوسع، كما يشير "كولن" إلى ذلك في كتابه آنف الذكر، وإلاَّ أدَّى توقفنا عند حاجز زماني معين إلى انحلالنا تدريجيًّا إلى حد الاضمحلال والتلاشي في قاع الزمن الذي توقفْنا عنده.

إنَّ كفاحنا الروحي والذهني من أجل "ونحن نبني حضارتنا" مهما اعترانا من جرائه من تعب وإرهاق فإنه يظل المرآة التي نرى فيها أنفسنا -نحن أجيال الإيمان الطالعة من ذات الأمة- وهي تتسامى على زمن الانحلال والتخلف في محاولة منا لوضع لبنة في هذا الصرح المؤمل الذي هو في حاجة إلى المزيد من أجيال البناء والإعمار في الآتي من الزمان..

 الفهرست

 

 

الانفجار الفكري الكبير 

بقلم: أديب إبراهيم الدباغ

يعزو كثير من الباحثين في تاريخ العرب الحديث، إشعال فتيل الانفجار الفكري الكبير لدى العرب والمسلمين، إلى شرارات مدافع "نابليون" وهو يدك أسوار الإسكندرية غازيا. فعقل عالم الإسلام المتمثل آنذاك في الجامع الأزهر كان يغط في نوم عميق وثقيل، ولم يكن غير دوي المدافع وأزيز القذائف بقادر على أن يهز هذا العقل، ويفتح منافذ سمعه وبصره على العالم الجديد الذي جاء نابليون -ابن أوربا- يحمل طلائعه إلى العرب والمسلمين من غير قصد. وهذا الانفجار المدوي، ترددت أصداؤه في أجواء الفضاء الفكري والثقافي الذي كان المسلمون قد ألفوه واستنامو إليه، وتبع ذلك انفطارات وانشطارات في عقول النخب من المثقفين والمفكرين، فازدادت الشكوك واضطربت العقول وعمَّت الفوضى، فلم يعد أحد يعرف صواباً من خطأ وحقاً من باطل. وقد نجم في خِضَّم هذه الفوضى المعرفية عقولٌ كبيرة حاولت أن تعيد التوازن للذاهبين بعيداً في مجافاة الدين من المتشككين والناقدين والقادحين... وحتى الذين انسلخو عنه وأنكروا وجوده تعالى، متخذين من العلم إلهاً يتعبَّدون له من دون الله تعالى، ونادوا بأن على الأمة أن تلتمس الهداية من ذاتها، وأنه ليس من الصواب في شيء أن نشكك في ملكات هذه الأمة، وفي عظمة ما يكتنـزه تراثها الفكري والروحي من قيم عالية، قادرة على إحياء مواتها من دون الحاجة إلى استعارة ذلك من خارجها، وأن القرآن نفسه يحث أمته على التفكر في النفس والتفكر في الكون ثم التفكر في الأرض التي نحيا على ظهرها، كما أن الرؤوس الكبيرة التي لا تنفك تطل على المسلم من بين سطور تاريخه، تمدُّ هذا الذهن بطاقات الحركة والنهوض. فالنشاط الذهني ملكة نفسية لا زالت تنتقل بين أجيال المسلمين جيلا من بعد جيل، وإن الذي يقعد المسلم عن اللحاق بالركب الحضاري ليس بقصور في الملكات بل هو قصور في الهمم والإرادات كما أن الهاوية السحيقة من الألم والعذاب الذي يتردَّى بها المسلم اليوم مسؤولة إلى حد بعيد عن إنهاك قواه الإدراكية والذهنية، فنظرة عابرة إلى عابر سبيل من المسلمين تجعلك تلمس أيَّ هموم ينوء تحتها حتى لكأنه قد خرج للتو من تحت أطباق التراب، علما بأنه مامن أحد يستطيع أن ينكر أن ملكة المسلم العلمية كانت ملحوظة في كل تاريخه، وهي من قبيل النمو الطبيعي الذي يلازم حياته في أدوارها كلها.

ولعلَّ أكبر هذه العقول التي تصدَّت للهرطقات اللادينية عقلان كبيران فكان لهما الأثر العظيم على عموم رقعة الإسلام، وأن أول هذين العقلين هو جمال الدين الأفغاني، وثانيهما محمد عبده تلميذه المخلص وساعده الأيمن كان الأفغاني يناضل من أجل حفز وجدان المسلم وابتعاث جيشان الحياة الجديدة فيه، ودفعه إلى معسكرها الذي كان منزويا في مكان قصي عنها، وأما الثاني فهو رجل العقل والعلم ورافع راية التحضر، والناعي على العقلانيين لغَط عقولهم، وثرثرة ألسنتهم والمنافح عن الإسلام باعتباره قمة حقائق الوجود وأنه القوة الحية التي ما لامست عقلاً إلا بعثت فيه من قوى الادراك مايحفزه للنظر والتأمل والعمل لقد استطاع محمد عبده أن يقدح بشعاع فكره زناد جم غفير من الأذهان فانبعثت أفكارها وتجددت حيويتها ولا نكون مغالين إذا قلنا إن قوة الفكر مظهر من مظاهر قوة الله وعظمته تمتزج بالنفس وتجري مع الروح وإلى قوة هذا الفكر نعزو ما تلاه من المفكرين من أمثال رشيد رضا وحسن البنا والنورسي وإقبال والمودودي وفتح الله كولن هذه النجوم الوضاءة في سماء العالم الإسلامي والتي لازال بريقها وألقها يصنع العقول والنفوس ويفتح الطريق للمزيد من الإبداع والتجديد.

فما من أحد من هؤلاء الأفذاذ وضع حول عقل المسلم قيودا تمنعه من الحراك نحو غدٍ أفضل وفكر أكثر إبداعا من أفكارهم وفهم أشمل من أفهامهم مستعينين بتلك الارادات الصالحة التي تهرع دوما لمساعدة الإنسان الذي يبتغي الصلاح ويريد التقدم إلى أمام.

أما الذين يريدون أن يفرغوا الإسلام -وهو حياة كله- من الحياة أو ينظرون إلى الإنسان ككيان حيواني خلو من الإنسانية وتشكيل جسدي خلو من الروح إنما يريدون أن يقلبوا الموازين ويزيفوا الحقائق ويمتهنوا الإنسان فهؤلاء هم أخطر أنواع البشر على البشرية بل البشرية منهم براء فالذكاء الذي أراد هؤلاء الأقطاب من المفكرين أن يبعثوه في أذهاننا من جديد أثار الكثير من التوترات الداخلية في أعماق نفس المسلم وهو على كل حال إرهاص يدل على يقظة طال انتظارها ولكي يكونوا أكثر واقعية فقد نشروا أمامنا سجلاً حافلاً بأمراضنا الروحية والعقلية التي نعاني منها لكي نعمل على معالجتها والخلاص منها لقد أفهمونا أن حشودنا البشرية حشود نملية يمكن أن تكون مواطئ أقدام الآخرين إذا نحن لم نرتقِ بأذهاننا إلى مستويات عالية التفكير نعلو بها عن أن نكون مداسات للآخرين إنه الضد الفكري الذي يرتفع بهذه المجتمعات النملية إلى مافوق مواطئ الأقدام.

لقد قاوموا الخمود في الأذهان والأرواح واعتبروا المسلم الذي يساوي في كفتي ميزانه ما كان وما هو كائن الآن جمود عقلي ينبغي أن يربأ المسلم بنفسه عن الوقوع فيه فهو يتجاوز غيره بقوة ما يمتلكه من رغبات في إدراك الجوهر الديني في دواخله وفي دواخل الأشياء ففي صميم ذهنيته ينقلب كل معلوم أو مشهود إلى سؤال كبير يجب البحث عن جوابه في النفس والكون والحياة وهذا الجواب هو مفتاح كل المعارف والعلوم التي تكاد تغرق الإنسان المعاصر وتهلكه في دوامتها المرعبة!

فبارقة إلهامية لدنية واحدة إذا ما برقت في سماء النفس تساوي جميع الأفكار التي حاول الآخرون حشرها في أذهاننا خلال سني أعمارنا، فما من فكر عظيم إلا وهو قدحة من قدحات هذه اللدنية الإلهية لتعيننا في ضعفنا على مصاولة اهوال الحياة غير أننا بسوء فهمنا وشدة غرورنا نظن أننا بنينا الحضارات، وأقمنا المدنيات بقوة أفكارنا وشدة سواعدنا من بغير معين أو دليل وهدا الظن هو الكفران بعينه الذي ينخر بأسس الحضارات وبأسس حضارة اليوم فقوة أفكارنا ليست إلا مظهرا من مظاهر اللدنية الإلهية وعظمتها ومن هنا تتوضح أمامنا حقيقة قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾(الكهف:65) فتأتينا على موج فكري موصول الجريان بيننا وبين عقل الوجود الأقدس فيعطينا منها على قدر ضئالة عقولنا وقصور افهامنا وهي رغبة قدرية دافعة للإنسان لكي يشارك الأقدار في صنع عقل الإنسان ورسم مصائره في هذا العالم.

ففي قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح كما جاءت في القرآن الكريم مصداق هذه المشاركة الحميمية بين القدر والإنسان في صنع الوقائع والأحداث، فالعبد الصالح كان يد القدر في خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار فوجوده في قلب الحدث رمز وإيماء إلى أن وجود الإنسان في هذا الكون مهم لا غنى عنه لما يمثل على هذه الأرض من فصول التاريخ البشري!

فمن دون الإنسان لا يبقى أرض ولا مسرح ولا تمثيل ولا ممثلون ولا مأساة ولا ملهاة ولا تاريخ!

فنفس هذا المسلم المثالي الطموح إذا ما تثقفت بالإسلام وترقت واستنارت علت على التوافه والصغائر وطمحت إلى البطولة في الفكر والسلوك والعمل فصارت محصنة عصية على الإقتحام، عصية على الإستلاب فلا يمكن ان تهوي من هذا الشاهق البطولي إلا أي درك من دركات الهبوط.

فحقيق بصاحب هذه النفس أن يحرص على وجودها معه فلا يفقدها أبدا لانها ستظل ملازمة له حتى دخوله عالم الخلود لأنها هي النفس التي خاطبها رب النفوس بقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾(الفجر:27-30).

فتاريخ هذه النفس على هذه الأرض إنما هو سجل حافل بوقائع كفاحها البطولي للخلاص من الفناء المطلق للعودة من جديد إلى ذروة الوجود المطلق، من البصر إلى البصيرة ومن عينين محدودتي النظر إلى عينين روحيتين مطلقتي النظر، من المادي إلى غير المادي، من التقليدي إلى الإبداعي، من التسطح إلى التعمق، من سكونية الشواطئ إلى فوران الأعماق، من غلاظة الحس إلى رهافته، ومن تشتت المشاعر إلى توحدها... هذه هي النفس العميقة والشمولية التي يحفها الجلال ويغشاها الجمال، وهي وحدها الجديرة بالخطاب الرباني آنف الذكر!

 أديب ابراهيم الدباغ      -     29-07-2010

 الفهرست

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 

المجدِّدون الشباب..!

بقلم: أديب إبراهيم الدباغ

 

كان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)،  إذا أعياه الأمر المعضل دعا الأحداث فاستشارهم لحدة عقولهم)

يوسف بن الماجشون

 

إن الشبيبة الواعية المستنيرة أشبه ما تكون بشعلة دائمة التوقد في دم الشعوب والأمم تلتهم عَفَنَ الزمن المتراكم على جمود العقول وشلل الأرواح. فالهزَّات العنيفة العاصفة بكيانات هذه الشعوب وبسكونية عتاقات أفكارها إنما هو من فعل هذه الشبيبة الملول إذا ما انطلقت من أقفاصها وحبوسها، فلا يحول عندئذ بينها وبين ما تريد من تغيير وتجديد حدود أو سدود.

فقلوب هؤلاء الشباب تزخر بمعين ثر من انبجاسات الحياة وتفجرات الأفكار، فأفكارهم تتعاقب في رؤوسهم محدثة زخماً هائلاً يكاد يبلغ حدّ الانفجار، فما لم تتحول هذه الأفكار إلى شواهد حياتية شاخصة، ومرجعيات فكرية فاعلة، وقعوا في الإحباط وأصابتهم عدوى الشلل العقلي والسهوم المتبلد.

فمن أجل ذلك هم في سعي دؤوب وبحثٍ جادٍ للوصول إلى قلب الأمة ليودعوا هذا القلب كلَّ ما في أرواحهم من أسرار مقدّسة، وبكل ما في عقولهم من أفكار عالية، هذه الأفكار التي لم تجد موضعاً تتنـزّل عليه أسمى من رؤوس هؤلاء الشباب المملوءة بكل ما يمكن للبشرية أن تقدِّس من فكر وتجلَّ من عقل.

فالشباب من أصحاب الرسالات الكبرى في العالم يملكون من القدرات الإدراكية أكثر بكثير مما تجمّد عليه المجتمع من إدراكات، فهم بعمق بواعثهم الوجدانية والروحية يشكلون العقل الجوهري المتميز والمختلف عن جسم المجتمع وعقله ووجدانه.

إن هؤلاء الشباب يمثلون "الإنسان الجديد" الذي بدأ بالاستيقاظ، وهو يمسح اليوم عن عينيه بقايا ليل طويل كان قد تغشّاه منذ زمن بعيد، وهذا الإنسان الجديد ما برح حتى طرح على عقل المجتمع جملة من الأسئلة حاول أن يحاور بها هذا العقل ويحفز قواه الفكرية والروحية للإجابة عليها، وها هو اليوم يتلمس طريقه بين عشرات الطرق لكي ينهض بمسؤولية الجواب، ويصل في خاتمة المطاف إلى جوهر كل الأسئلة.

وهذا الجوهر يكمن في السؤال الآتي:

كيف يمكننا أن نحول بين الأرض وبين مَن يريد تدنيسها..؟ وبين العالم وبين مَن يريد هلاكه..؟ وكيف نمدُّ البشرية بالقوة التي تستطيع أن تحيا بها مبرأةً من الأدناس..؟ وبأن نجعلها تنشد الفضيلة في كل ما تأتيه من فعل أو قول أو فكر..؟

فالبشرية اليوم تعاني من رعب خرافي مصحوباً باختلاج معنوي وجسدي، وهي في حالة اضطراب وحشي بلغ أَوجَه، وجاوز حدَّه، إنها تحترق بتوحش فكرها وهمجية روحها، إنها تعادي نفسها وتنحر روحها وتأكل جسدها وتشرب دمها، حتى أن الأرض مادت من تحتها واضطربت وثقل عليها الإنسان بأوزاره وآثامه، وسفكه للدماء وقتله للأبرياء، وكأنه بهذا الحضيض من السلوك يريد أن يعلن مجافاته للعقول القوية الزاخرة بالمعاني الجديدة والأفكار البكر، وبهذا يعادي الحقيقة ويتحاشاها ولا يرغب بالتقائها، وحتى عندما يضطر إلى مراجعة رصيده الفكري لا يفعل ذلك إلا لكونه يرغب بالنجاة من أضرار سلوكه المجافي للإنسانية لا من السلوك نفسه الذي أودى به إلى هذا الحضيض التعيس.

فما لم ينتشل هذا الإنسان الوحشي السلوك روحه من سجنها السحيق، ويفتح أبواب عقله لمن يملك المداخل لكافة العقول، فلن يستطيع العلو بمداركه إلى آفاق الحقيقة التي تسعى العقول كلها للارتفاع إليها.

إن الكثير من "العتاقة" تفوح رائحة عتاقتها بين ما يسمونه بصفوة المجتمعات، هذه الصفوة التي لم تتعلم -مع الأسف الشديد- كيف تعيش بالجانب الأعلى من وجودها الإنساني، ورضيت بالأدنى من هذا الوجود، فوقعت في خلل معيب، حيث اضطربت موازين هذا الوجود، فلم تتكامل وتتناغم عقولها ومشاعرها وغرائزها الجسدية واستشرافاتها الروحية، فعانت من جرّاء ذلك الخلل الشيءَ الكثير من التعاسات والاخفاقات مما دفعها إلى الانحدار نحو دركات متدنية من همجيات جسدية وروحية وعقلية وهي تحسب أنها طليعة المجتمع الساعي إلى الرقي والتقدم.

فالشباب المجددون في قلق دائم لعزوف البعض عن اللحاق بتفوقهم الروحي والإنساني، وعلى الرغم من معرفتهم بأن الإنسان هو صنو الإنسان في سجاياه وفي طبيعة تكوينه الروحي والبيلوجي على حد سواء غير أنهم لا يلومون الآخرين على هذا التقصير بقدر ما يلومون أنفسهم، إذ يعدُّون أنفسهم مذنبين لكونهم لم يكتشفوا بعد اللغة الحوارية التي تمكنهم من الدخول إلى قلوب الآخرين وأرواحهم، وهذه اللغة هي ما يسعى هؤلاء المجددون إلى اكتشافها يوما بعد يوم. 

-

 الفهرست

-

على حافات الانكسار الحضاري

 بقلم أديب ابراهيم الدباغ 

عاشت أجيال العالمين العربي والاسلامي حقباً متعددة من حقب القرون الثلاثة المنصرمة خائفين مرعوبين مشفقين على حياتنا الدينية والثقافية والحضارية من أخطار الزحف الفكري والحضاري الغربي وهو يجتاح العالم ويمدُّ سلطانه على عقول الشعوب وأفكارها وثقافاتها وحتى أديانها.

ولئن كانت شرارات هذا الفكر قد أضاءت الكثير من عتمات عقولنا، ومسحت الكثير من جهالاتنا، غير أننا بقينا نؤي بين تارة وأخرى إلى "القرآن" دماغنا المركزي لنتغذى منه على قدر ما كانت معداتنا الذهنية آنذاك قادرة على هضمه منه.

أمَّا اليوم فلم نعد نجد مايبرر هذا الخوف والرعب من هذا الفكر على أصول أفكارنا وجذور معتقداتنا، لأن الكثير من عورات هذا الفكر، والكثير من نقائضه وأضداده، والكثير من الثغرات التي يمكن أنْ يؤتَى منها وترشحه للسقوط والانهيار، بانَتْ عن نفسها، وتعَّرت من أرديتها، من خلال الفكر النقدي الذي اعتمده هذا الفكر نفسه منهجاً لتقويم بناه الفكرية والحضارية.

ولا بد من الاشارة هنا إلى أنَّ أعلام تراثنا الاسلامي عرفوا النقد ومارسوه في كبرى القضايا الفكرية والعقائدية، ولولا اشتطاط بعضهم وذهابهم بعيداً عن سواء الصراط المستقيم لظلَّتْ مناهجهم النقدية تعيش بين ظهرانينا حتى هذا اليوم.

ولا أحسب أحداً يجادل في أنَّ "الغزالي 450-505هـ" هو أحد أعلام المدرسة النقدية التي أرسى قواعدها الرصينة من خلال كتبه العقائدية، فاستطاع أن يجهز حتى الموت على المشتطين من الفلاسفة والمعتزلة والباطنيين وغيرهم من المدارس والمذاهب التي لم تكن تحظى بالقبول من لدن الدين القويم.

 

 

فالقرآن ظلَّ هو العقل المركزي الكبير الذي تستمدُّ أذهاننا منه الغذاء، ولاتنفك تعود اليه بين فترات مدِّها الفكري وجزره وتستظل بظله من لهب الشوق الى الروحانية العالية وظمأ الاحتراق بنيران هجره والبعاد عنه، وقد بقي صامداً في الجانب الأسمى من افئدتنا ومحتفظاً بقدراته الفائقة على إسعافنا في أصعب الاوقات وحين نبدو وكأننا على شفا خطر ماحق سيودي بنا الى هاويات الضياع والنسيان.

فالزمن بكل أهواله أعجز من أن يغير شيئاً من عناصر هذا العقل الأصيل أو يزيد عليه أو ينقص منه، لأن الكون بكل طاقاته متجوهر فيه، ولآنه أزلي المأتى وأبدي المآل، حتَّى أنَّ روح الوجود سرعان مايسري في أوصالنا ونحن نقرأ فيه،

أو نستمع إليه، وكلَّما أضلِّنا الفكر واشتطَّ بنا النظر مدَّ الينا يد الهداية والرعاية والكلاءة.

وعلى الرغم من كوننا قادرين على الاستمداد من القرآن محركات هائلة للعقول والارواح تساعدنا على استيعاب الجانب التنشيطي والتحفيزي من هذا الفكر غير أّنَّ الكثيرين لازالوا يرون في زحوفه خطراًعلى العقول وبخاصة الفتية منها.

صحيح أّنَّ لنا نحنا المسلميين- بعض الخصوصيات التي تحول بيننا وبين الاندغام الكلي في الجانب الايجابي لهذا الفكر، غير أَنَّ أخصَّ طاقاتنا المكونة لشخصياتنا هي في الوقت نفسه من أعمِّها إنفتاحاً على الجوانب المشرقة من أي اتجاهات فكرية وحضارية معاصرة.

فالشخصية السليمة والموزونة لاتجد ما يمنع من الاستجابة لكل ما هو صادق وعادل حيثما وجدته أو حيثما تراءى لها، وعكس ذلك يدل على إِيمان ضعيف وعقل فَجّ ٍ لم ينضج بعدُ.

فمن صفات التفردية في شخصية المسلم سعيه الكدود لاستكناه الجوهرية الخالصة للأفكار والأشياء باعتبارها القمَّة المعرفية التي يسعى الجميع لاكتشافها والارتقاء إليها، فالقرآن بلمساته التحسسيَّة المتتالية يبعث الحياة في الارواح الثقيلة، ويمنح العقول أعيناً باصرة تخترق ظلمات الطبيعة والحياة وتسمو حتَّى ترتقي العوالم والأكوان وكأنها تريد أن تقاسمها حياتها وعلو شأنها.

إن العالم المزدحم بشتَّى صنوف الأفكار والمعتقدات في زخم رهيب إلى حد الاختناق، إنَّ هذا العالم لم يعد يجد في الأيام الفارغة من أَيِّ مُزْدَحَمٍ فكري أو عَقَدي ما يؤهلها للقبول في مجاميع أيامه ولياليه المملوءة بالخصب والعطاء،

إِنَّ دوار الرؤوس من أثر دق طبول الفراغ هو من أخطر ما يمكن للانسان المتعطل أن يواجهه في هذه الدنيا، ومايصدق من هذا على الأفراد يصدق كذلك على الشعوب والأمم.

فالعقول السامية والقوية تندفع بشكل طبيعي لملءِ هذا الفراغ والتسلط بكل قواها على العقول الضعيفة والبائسة العَوَّامة فوق مسطحات الفراغ، فهذه القوة هي أهم ما تحتاجه الدنيا في كل وقت وآن، إذ تتحول إلى رافد أفكار في جميع الأذهان، وكم تكون الأمة - أية أمة- محظوظة إذا هي أوتيت فضيلة النطق بالفكر الجليل لكل الأمم، لأنَّ هذا الفكر قمين بأن يأتي النفوس الكبيرة من كل أطرافها ليملأها بحوافز الادراك، وحصافة الاعتقاد.

فقماءة الشعوب وضئالتها وانكسار حضارتها إنما هو سقوط مريع لاينبغي للأمم ذات السلطان أن تسمح به في هذا العالم الذي قد تقاربت أزمانه وامكنته، واختلطت أفكاره ومعتقداته حتى غدا كبيت واحد تتأثر جدرانه بتصدع جدار واحد منه، وعلى هذه الأمم أن تختار بين ان تكون عاملاً من عوامل الهدم والتخريب لضعفاء الشعوب وبذلك تكون قد ضربت أول معول في بنيان نفسها، أو أن تكون عامل بناء وإعمار للمهدومين وبذلك تساعد نفسها على بقاء بنيتها سالمة من السقوط والانهيار، ولن يكون هذا مالم ترتقِ هذه الأمم إلى أخلاقية عالية مستوحاة من أخلاقيات الأديان التي ترى في الانسان أخاً للانسان، وترى البشرية كلها مختزلة فيه، وتراه مرآة ترى فيها نفسها بضعفها وقوتها، وخيرها وشرها، وقبحها وجمالها، ولعلَّ ثقافة الحوار الذي بدأ العالم يجد فيه مخرجاً من أزماته الطاحنة دليل من أدلة تنبه هذا الحس الأخلاقي الذي كان غائباً عن ممارسة أي نشاط في كبرى قضايا العالم، ولعلَّ هذا الحس يعود من جديد ليأخذ مكانه في ضبط سلوكيات الأمم والأفراد، أقويائهم وضعفائهم وبهذه الأخلاقية العالية يجمل العالم، وتزدهر الفضيلة، وترتقي الانسانية، وتصبح الحياة جديرة بأنْ تُعَاش.

فالحياة بتدني مستويات الحس الأخلاقي والديني كما هي عليه اليوم أصعب حياة يمكن ان تطاق، كما أن الكثير من الشكوك بدأت تساورنا في قدرة البشرية على إنشاء حِسِّها الأخلاقي بما تملكه من ملكات من دون استمداد هذه الأخلاقية من مصادر علوية ذات قدسية جلالية لتكنَّ لها الاحترام والتقديس ثم القبول والانصياع

إن الفكر الحضاري الذي يرون فيه الكفاية عن أية أخلاقية علوية ماهو إلا محض وهم، فهذا الفكر مصاب بالارهاق ولم يعد قادراً على أن ينشيء منظومة أخلاقية ذات نفوذ على الناس كل الناس- أفراداً وجماعات، فأي فكر خال من الإيحاء بضرورة العودة بثقافاتنا إلى الايمان بوجود الله تعالى، والتأكيد على الجوانب الروحية من الطبيعة البشرية فهو فكر مدلس، وسيصير إلى الانكسار ثم السقوط والانهيار طال الزمن أو قصر.

أديب الدباغ

 الفهرست

 

 

الاستيعابية الفكرية للكينونة البشرية في رسائل النور

بقلم: أديب إبراهيم الدباغ

بين رجال الفكر الديني المعاصر يبقى "النورسي" من أكثرهم شدّاً للانتباه بفكره الاستيعابي والاستقصائي للكينونة البشرية بأبعادها المختلفة واستشرافاتها على العوالم الورائية و"الماورائية" على حدٍ سواء. فقد بلغ نزوعه الاستيعابي من العمق والسعة إلى الحد الذي لم يعد يجد معه في التناقضات والأضداد في الفكر والحياة معضلة تواجه الفكر الإيماني لدى المؤمنين، فما من سلب -كما يرى- إلا وينطوي على شيء من الإيجاب. فإذا ما تعودنا النظر بعمق في الأشياء فسنرى الانتظام حتى في غير المنتظم كما يقول، وبعض الخير في تلافيف كل شر، وبعض الحق في ثنايا كل باطل، وإشارات قوة في جوانب كل ضعف وضعيف، وبصيص نور في أطباق الظلام، وحتى تلك المذاهب الدينية المشتطة في ابتعادها عن سواء الدين لا تخلو هي الأخرى من جزء أو أجزاء من الحق، وبهذا الجزء أو الأجزاء يشيع المذهب ويلقى القبول لدى بعض الناس.

وإنه كثيراً ما يلفت انتباهنا إلى المعجز الخارق في إعجازيته في البديهي الغارق في بداهته، وإلى غير العادي في العادي نفسه، وغير المألوف في عين المألوف، ففكره نزّاع إلى التجرد من خارجية الأشياء، وإلى انتزاع قشرة البداهة عن البداهات واستكناه الكينونة البشرية مجردة من الفضوليات العالقة بها والدخول إليها من أبوابها المشرعة الفكرية والوجدانية والحدسية وحتى الخيالية وكل لطائفها الأخرى، ففكره استيعابي استفصائي، يستوعب النفس البشرية ويستقصي كلَّ جوانبها مشيّداً صروحه التخاطبية معها في رسائله على أسس من مصداقية المعرفة بحاجات جوانب هذه النفس وإعطاء كل ذي حاجة منها حاجته التي يريد.

فرسائل النور هي نتاج هذه المعرفة بالكينونة البشرية، حيث جعلت من أعظم أهدافها تحرير هذه الكينونة من الأثقال التي تشدّها إلى الأرض، وتحصينها من جواذب الشتات في شعاب العالم واستنهاض جميع قواها ولطائفها ثم تكريسها لخدمة الهدف الأكبر الذي خلق الإنسان من أجله وهو العبودية الخالصة لله تعالى. فإذا ما مات صاحب هذه الكينونة ماتت كينونته كلها معه ولم يبق منها شيء خارجاً عنها متعلقاً بسبب من أسباب الدنيا كما ورد في الأثر: فقد أثنى جملة من الصحابة رضي الله عنهم -في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم على رجل من الصحابة كان قد مات، فقال عليه الصلاة والسلام: "رحم الله فلاناً فقد مات كله"، فقال الصحابة: يا رسول الله أليس أحدنا إذا مات يموت كله...؟! قال عليه الصلاة والسلام: "ليس كلكم إذا مات يموت كله". أي -والله أعلم- أنه ليس كل أحد يموت بكينونته كلها دون أن يتبقى منها شيء خارج هذه الكينونة في مكان ما من الدنيا. ومصداق ذلك قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(الأنعام:162)

فنسيان الطبيعة الروحية للكينونة البشرية عند بعض المفكرين إنما هو عسر عقلي يحول بينهم وبين التفكير الصحيح، فينتابهم عندئذ شعور بحراجة الحياة الإنسانية وامتلائها بالمخاطر التي قد تودي ببعضهم إلى الانتحار العقلي قبل أن يسعفهم الحظ ليروا ما يجري في أعماق هذه الكينونة من صراعات مأساوية بين القيومية الروحية وغيرها من القيوميات.

فالكينونة البشرية إذا ما تضامَّتْ على نفسها وجمَّعتْ إجزاءها ووازنت بين متطلبات كل جزء منها صارت وحدة واحدة وغدتْ جزءً مماثلاً للتوازن الكامن في الوجود. ووجدت مكانها في الإيقاع السرمدي بين الطاقة المنطلقة من روح العالم والطاقة المنطلقة من روح الإنسان، فتتحول عندئذ ذات الإنسان إلى عالَم من الإشعاع يضيء كل جانب معتم من الفكر والحياة.

ففي مقدمة كتابه "المثنوي العربي النوري" يلمح "النورسي" إلى أسس فهمه لعالَم الإنسان الداخلي من حيث كونه مزيجاً من العقل المفكر والروح الباعث للحياة في موات الأفكار، فما من إبداع إنساني إلا وهو نتاج توافقي بين العقل والروح، فالروح هي محاريب العقول تتطهر فيها وتتصفّى ثم تتسامى إلى جوهر الأشياء، وحقائق المعاني، ولباب الأفكار. وبهذا الفهم استطاع أنْ يحيط بالأبعاد الإيمانية التي أشار إليها القرآن وسعى لتربية العقول والأفهام بمضامينها.

لقد رأى "النورسي" أن من واجبه الديني أن يعرِّف الإنسان بنفسه كما هي، وألا يحجب عنه هذه المعرفة ليكون مؤهلاً لقبول حياة "ما فوق الحواس" التي يراد للمؤمن أن يتأهل لقبولها. وقد سعى جهده لنقله من الحالة الذهنية النمطية إلى ذهنية منبثقة، من رؤى روحية عميقة الإدراك واسعة الآفاق، ليجرب أشكالا جديدة من الوجود لم يسبق أن تعرَّف عليها من قبل.

ولا نكون مغالين إذا قلنا إن "النورسي" أوشك أن يصل إلى نهاية الإصلاح في الحياة العقلية والروحية للإنسان المسلم وذلك بإنقاذه من الانكسارات النفسية التي خلفها فيه تضاعف شعوره بالانهزام الحضاري أمام تحديات العصر الحافل بكم هائل من الإنجازات في شتى العلوم والفنون حتى خشي أن يكون العالم اليوم غير قادر على استيعاب متطلبات المسلم الروحية واستساغة أشواقه "الماورائية" لكونه محاصراً من قبل حشود هائلة من ماديات الأرض فهو اليوم عائم في بحران من الرعب الكابوسي الذي يضيق عليه الخناق ويشده أكثر فأكثر نحو المركز الميداني التعبوي لجنود الأرض الذين لا يزالون يدقون الأسافين بين الإنسان وربه، فبات يحيا دون انتماء جادّ إلى عالمه الذي يعيشه أو العالم الآخر الذي يُدْفَعُ إليه دون رغبة منه، فالأعمال التي ينجزها، ينجزها كما تنجز الآلة الخرساء الصماء أعمالها بِحِرفيَة مهنية من وراء ذهن متعب كليل، وقلب هزيل فاتر، حتى لنكاد نقطع بغياب الروح الخلاَّق فيما يأتيه من أفعال، ولولم يكن شيءٌ ما يعمل عمل الروح في استنهاض قواه الفكرية لعقم ولم يأتِ بشيئ ٍ جديد على هذه الأرض.

إِنَّ إطلاق الكينونة البشرية من قيود مراسيم النمطيات الفكرية والنفسيه المدونة في دفاتر العالم باعتبارها الهوية التي يُرْجَعُ إليها عندما يُراد تعريف الانسان وكتابة الوصفة الدوائية لأمراضة المستعصية أقول إن إنقاذ هذه الكينونة من النظرة الضيقة التي يُنْظَرُ الى الانسان من خلالها عمل من أجل أعمال الدراسات الفكرية الاستيعابية والاستقصائية لرسائل النور، فقد أنذرت هذه الرسائل ونبّهت إلى ضرورة إجراء تغييرات مهمة وجرئية في المفاهيم والمقررات المتعلقة بالخارطة الوجدانية والفكرية للانسان، وذلك بإعادة التوازن الحميمي بين عوالم الانسان في مختلف لطائفه ونزوعاته في الداخل والخارج، وإعادة الاهتمام بالكل الانساني الكلي وعدم الاقتصار على الجزء الجزئي منها كما يعبّر النورسي، فرسائل النور إِنما هي قوة من قوى الفكر الواعي، وقوة من قوى الادراك الروحي العالي، وهي نجوم تتألق في سماء ملكوت عقل الانسان وروحه مثيرةً بذلك الشوق والتوق إلى جمالية الحقائق، وشاعرية الوجود، وشفافية الأشياء، وروحانية المكان والزمان، وعلو الانسان واستشرافاته على جلال الأزل والأبد.

وأكثر إيجازاً وتلخيصاً فهي _ أي رسائل النور_ طريق معبّدة لمن يسعى الى مسايرة الفكر في تفجراته الذهنية، ومسايرة "الروح" في وثباته اللانهائية، وهي مرجع واسع وخصب للنفس الانسانية عندما ينتابها شعور بالضياع والانكسار أمام أعاصير الزمن، وطغيان الأحاسيس وضمور المشاعر، كما أَنها تشعرك بقداسة الصنعة الإلهية في العوالم والأكوان، وتؤكد على أنَّ الانسان مخلوق للبقاء لا للزوال والفناء، وأنَّ الذات الفردية وإنْ كانت صغيرة في رحاب الوجود غير أنها تحتوي على عوالم أوسع وأرحب من عوالم الارض والسماء تحيط بمشيئاتنا وأَفكارنا، وتقودنا الى مصائرنا إنْ خيراً فخير، وإنْ شَّراً فشر.

إِنَّ "الكينونة البشرية" بكافة أبعادها المشحونة بالفكر الروحاني الذي اعتمده "النورسي" في تأليفه لرسائل النور، هذا الفكر مرشح اليوم أكثر من أي فكر آخر لتأصيل "عقيدة الايمان" والمحافظة على ركائزه في بنية النفس والضمير، وإمداد الذهن بالثقافة الإيمانية التي هي نتاج تجربة ومشاهدة بلغت درجة اليقين الذي لايقين بعده كما يقول، فهو _أي النورسي_ لايخدعنا لأنه لم يكتب إِلاَّ ما شاهد وجَرّب، فقد قرأ كتاب الكون والحياة بألسنة الأرض، ولمس السماء، وغاص في فجاج الفكر ودخائل الضمير، فأتى بالذي أتى عفواً بلاروية ولااصطناع.

لقد عاش روح العصر، وأدرك أنه عصر يصدف عن علوم النظر وتأملات العزلة، بل هو عصر يقبل بشدّة على علم المزاولة والبناء، إنه جمع كُلَّ ما أمدَّته به الحكمة في قلمه ثمَّ نثرها في رسائله، فأشعل النفس، وحَمَّسَ الروح، وأثار العاطفة، ووسَّع آفاق الخيال، ورسَّخ معالم العقل القدير، وأمانة الفكر والتفكير                                                    

 أديب الدباغ

 الفهرست

 

 

محمد عبد الله الحسو: شقيق الروح وتوأم الوجدان

شاعر الطبيعة والألم...!

 

"أجمل ما في الحياة أن تصادق شاعراً وتلازمه، إنه ينفحك نفحات روحه،

 ويسقيك من معين وجدانه، ويرفع روحك إلى المقام العالي الذي ترتع فيه روحه"

 شَجَنٌ روحه... وأسىً فؤاده... وجيع آلآم... وضجيع أحزان... رهيف الحِسّ... مُنيف الشعور... نبيل الفكر... طاهر الوجدان... عفيف اللسان... وَضّاء الجَنَان... على ظهر الأرض وَهْناً مشى... وَطَيفاً سرى... ما أَقلَق حصباء ولا أثار ثَرى... خطاه على الأرض سلام... ولكلِّ الناس أمن وأمان... منبع محبة... ومعين تحنان... عاشق ولهان... وبالطبيعة هوَّام... وفي أجوائها حوّام... على أوراق الورد والشجر تَرف روحه... ويتساكب وجدانه... كم من مرّةٍ رأيته وهو يتحسّس بأنامل يده ورقة زهرة هنا... وورقة شجرة هناك... وكأنّ أنامل يده تشارك عينيه في استجلاء جمال الخِلقة حيثما تراءَى له ذلك الجمال...!

وإذا ما أطلّ الخريف... وهلَّت باكرات المطر... رقص قلبه طرباً... وابتهجت نفسه... ووقف تحت السماء يستقبل رذاذه بغبطة وجَذل وكأنه يريد أن يتحَمَّم ممّا عَلِقَ به من شجون وشؤون... ويطفيء هجير الصيف وظمأه ولهب حَرّه... فالماء مراتع مباهجه... مطراً كان أو جدولاً أو ساقية أو نهراً... تضمه إليه أحاسيسه ومشاعره فتنتشي وتهتز حياةً... وتتألق طهراً... وتتسامى لطفاً... وهذا هو مصداق قوله تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) كانت له صخرة... على ضفة دجلة... نمضي إليها معاً... ونجلس متقاربين... بينما مطر خفيف يداعب جسمينا... فلا يلبث أن يفرش مظلته فتغطي نصفينا المتقاربين... بينما نصفانا الآخران مكشوفان يَبُلُّهُما المطر، ونحن في نشوة لا نبالي معها بِلَّة ولا بللاً...!

وفي السواقي بين الشجر... ينثر نفسه ثم يَلُمّها... ينشرها ويطويها... يبسطها ويقبضها... يفرقها ثم يجمعها...!

وساقية من بين السواقي يختار... يجلس إليها ويخاطبها... سلاماً أيتها الساقية الجميلة... أتسمحين وتتلطفين وتقبلين أن أغمس قدميّ في مائك هذا العَذب السلسبيل...؟ وإذا ما فعل وغمرَ ماؤها قدميه... إهتزّ حبوراً... وغشيه سرور طفولي بريء... وكأنه يتذوق لأول مرة روح الحياة من مياه هذه الساقية... ثم يذهب في استبحار فكري... فيغيب عن كُلِّ مَن حوله وما حوله... فيظلُّ في هذا الذهول السّهوم ما شاء الله له أن يظل... فلا يسع جليسه غير احترام صمته... وعدم تعكير صفو ساعته... فلا يجرؤ على التحدث إليه حتى يبدو عليه أنه أفاق من ذهوله... وحتى يكون هو المبادر بالكلام... فيبادرني بقراءة بعض أبيات من شعره أو شعر شاعر غيره... أو يفجؤني بحكمة من كتاب كان قد قرأه... أو عبارة موحية كان قد وجدها مسطورة في مقال...! وكان من عادته إذا ما غادر البيت قاصداً أيّ مكان –حتى ولو كان زيارة صديق في مستشفى- أن يحمل معه حقيبة متوسطة الحجم فيها بعضٌ مختارٌ من دُرَرِ الكلام... وإذا كُنَّا جلوساً في أي مكان مَدَّ يده واستخرج ما تقع عليه يده من هذا الكنز الفكري... فيقرأ لي ويسألني الرأي فيما قرأ شعراً كان أو نثراً... وهكذا نظل نتبادل الحديث ونتجاذب أطرافه، تظللنا سحائب من حماسة الفكر ومشاعر الوجدان... بينما تظلُّ قدماه مغموستين بمياه الساقية...! وعلى حين غِرّة، وكالملدوغ يسحب قدميه من الساقية فأعجب وأتساءل:

ماذا جرى...؟!

فيردُ قائلاً: ألم تسمع...؟

قلتُ: ماذا أسمع...؟

قال: بكاء الساقية وتوجعها وشكواها... إنها تسكب ألمها في أذن روحي... وتهمس بشكواها في أسماع ضميري... فتقول:

لقد آلمتني بقدميك هاتين... وأزعجتَ سكينتي... وعكّرت صفائي... وآذيت أحلامي... وكأنّ زوبعة سافية ضربتني... وقلبتْ عالي أمري سافله...!

وهاهي ترثيني فتقول:

آهٍ يا شاعري الحزين... يا مرآةً مكسورةً... يا قلماً مثلوماً... يا وجداً محموماً... يا شوقاً محروماً... يا لياليَ عذاب... في قفرٍ يَبَاب... كيف تضيءُ نهاراتُك إذا كانت لياليك... حاسِرَاتٍ حافيات متسكعات... ومتسمعات من وراء الأبواب الموصدات لآهات المعذبين... وأنّاتِ المتوجعين...؟! يا شاعري... أين أطياف الأماني... أهُنّ حقاً قادمات... أم هُنّ على الأعقاب ناكصات... أم هُنّ دفينات الجوى... نزيلات الضنى... مقهورات مقصورات في أخبية القصيات من خفيات الضمائر... وغائرات الأفكار والمشاعر...؟!

الساقية تتكلم... تبكي وتتألم... إنها صديقة نفسي... تسقيني بَردَ الأمل... وعَذبَ الخيال... وتغمرني بالرؤى والأحلام.... إنها تعزي روحي... وتسري بالعزاء إلى سرائر الضمير... وخفايا النفس... إنها لا زالت ترمقني وترمق لوعتي وبرحائي بمزيد من الأشفاق... إنها تريد أن تهزّ أوتار الحياة في منظومة أيامي... وتسعى لكي ترفعني إلى سماء من السعادة المطلقة التي تندُّ عن الوصف بالكلمات والأفكار...!

إنها صاحبة لغة وكلام... لغتها الضياء... وكلامها هسهسات الموج... لا يفهمه إلاّ قلوب المحبين الآتين لغمر مضانكهم في مويجات مياهها... والآيبين إليها مآبَ المشوق إلى الملاذ الموموق...!

وتمضي الساقية في الخطاب فتقول:

يا شاعري... يا ظلَّ الروح والشجر... فوق أطلال الحجر... الحجر المهدوم هو قلب محطوم... وروح مهزوم... وفكر مأزوم... وحضارة شَلاَّء... ومدنية عرجاء... وأمة خرساء... وتاريخ موؤد... وليل دامس... ونهار أبتر... وغدٌ أعسر...

يا شاعري:

أنت على هذا العصر شاهد... حاضر غير غائب... تسمع الأنّات... وتسجّل الآهات... وتكتب القصيد... في ليلك هذا الطويل...!

وعُراة الشجر... وَصُوَّاح الزهر... يبكين البلبل الصدّاح... في ليالي القمر... وباكرات السحر... والسؤال الكبير... متى يأتي الربيع... متى يأتي الربيع...؟!

 

أديب الدباغ

 الفهرست

 

 

 

فتح الله كولن:

داعية الإيمان ورجل الأمن والسلام..!

بقلم: أديب إبراهيم الدباغ

 

"فتح الله كولن" مفكر تركي معاصر؛ رفيع الفكر، وَضَّاء الروح، سامي الضمير، يقظ الفؤاد، مَوَّار الذكاء، خصب العطاء، ذو روحية دينية عميقة وواسعة، غير تقليدية ولا نمطية، ترتفع مصعدة حتى تلامس أصفى ما في سماوات التصوف من نقاء، ثمَّ تعود لتتسلق أعلى درجات الفكر، وأسمى ما وصل إليه العقل عن علاقة الإنسان بالكون والطبيعة والحياة. إشعاع قواه النفسية والفكرية إلى مَن حوله يزيدهم ثقةً به، والتفاتًا إليه، وتقربًا منه؛ وعلى الرغم من أنَّ أعماقه فوَّارة بالأسى على حال المسلمين غير أن فكره يفيض دومًا بالضياء الهادئ الجميل ليصبح أنسَ الخائفين، وهديَ التائهين، وقوتًا لجوعى الأرواح، واصطلاءً لمقروري الأنفس، ونورًا لديجور القلوب، وفجرًا لليالي العقول..

ذو ملكة إيمانية تملك عليه أقطار نفسه، وجوانب فكره، تجدها ظاهرة واضحة الظهور في كتاباته إذا كتب، وفي أقواله إذا قال أو تحدث أو وعظ... إننا نستطيع أنْ نتخيله مجردًا من كثير من خلائقه ولكن يستحيل علينا أَنْ نتخيله مسلوبًا من ملكته الإيمانية، لأنها جزء من نفسه، وقطعة من كيانه، وشطر من قلبه، وفلذة من فلذات روحه، مفطور عليها، ومولود بها، تصحبه ويصحبها، إذا حزبه أمر، ونزلت به النوازل، وادلهمت عليه الخطوب، آوى إليها، وبها اعتصم، فإِذا به رابط الجأش، واسع الصبر، قوي الاحتمال، مع إمعان نظر، وعِظَم ثقة، وطيب نفس، وبسمة أسف وأسى... ركين لا تهزه العواصف، ولا توهنه الأزمات، عنه يأخذ الآخرون العزائم، فيشدُّ عضدهم، ويزيد من صلابة إراداتهم.

في طوايا روحه قوة خافية لا تنكشف إلاَّ عند الحاجة إليها، إنها قدرة وقوة محيرة، فلا نعرف أيَّ أنواع من القدرة هي، أهي قدرة على الخلق والإبداع، أم قدرة على العزيمة والمضاء، أم هي قدرة جَذَّابة تجذب البعيد حتى يقترب، وتطوي القريب حتى يلتحم، وهي في كل الأحوال تشي بعبقرية الرجل، وتنبّئ عن عظيم إنسانيته. و"كولن" شمولي الفكر، وسيع النظر، عميق الإدراك، مستقبلي التوجه، عظيم الرجاء، يرى في "الدين" لبَّ الحقائق كلها، وعصارة روح الكون، ونبضات قلب الوجود، ومرايا لعرش الله تعالى، إنَّ من حق هذه الحقيقة على الإنسانية -وهي بهذا الشأن العظيم- أنْ تلزم الكفاح من أجلها، والدفاع عنها، وإحاطتها بالقداسة والتعظيم، وأنْ تجعل منها نبراسًا ومنارًا يهديها إلى الحق ويأخذ بيدها إلى الصراط المستقيم، والطريق القويم.

فما من أحد غالب اليأس مغالبته إيَّاه، وما من أحد ابتعث أسباب الرجاء ابتعاثَهُ لها، لا يُساوِمُ ولا يُسَاوَمُ، يُجَدِّدُ ولا يُجَدِّفُ، لا يرفو المعثوث، ولا يرقِّعُ المخروق، بل يصهر الإنسان في بوتقة فكره ثمَّ يشكل من المعدن البشري المصهور إنسانًا جديدًا هو فوق الإنسان، ودون الملاك.

إنَّه إنساني النـزعة، يحب الإنسانَ من حيث كونه إنسانًا، ويشفق عليه، ويخدمه، ويبكيه مُرَّ البكاء، ويسعى للتخفيف من آلامه وأحزانه، ويَدُلُّهُ على مناحي عظمته الغائبة عنه، ويربأ به أن يعادي نفسه، ويحطم ذاته، ويشتت شمل فكره.

و"كولن" وَقَّافٌ عند "النَّص الديني" لا يغادره حتى يشبعه درسًا وتفسيرًا وتأويلاً، المنقول والمعقول عنده متلازمان، يقيس الغائب على الشاهد، والمعنوي على الحِسِّي، وما وراء العالم على شبيهه ومثاله من العالم نفسه، إنَّه يَمُدُّ الإنسانَ بمَجَسَّات جديدة، يَتَحَسَّسُ بها حقائق الأشياء في ذاته، وذات الكون والحياة، وهذا الذي نقوله نلمسه في أكبر كتبه وأصغرها على حدٍّ سواء، فقد كان يعالج قضايا غاية في التعقيد، وغاية في الانحراف، غير أَنَّ انفعاله لم يؤثر على اتّزانه العقلي، وعلى ركانة قلمه، ومع ذلك لم يمنعه من انحدار دمعه الذي يحمل من الإشفاق والرثاء للإنسان ما تحمله قطرات البحار من ثراء شجي، وحزن أسيف، على غرقاها من بني البشر.

ففي كتابه الشهير "طرق الإرشاد في الفكر والحياة" يعزو "كولن" غالب إحباطاتنا إلى ضعف قدراتنا على الفهم الواسع والعميق لما ننوي القيام به من عمل، فأيُّ عمل لا يصح ما لم يصح الفهم عنه أولاً، فعسر الفهم يولد عسر العمل، ومن إشكالية ضعف الفهم تتولد أحلام اليقظة المفضية إلى التهويم في غمرة مشاريع خيالية لا تُسمن ولا تُغْني من جوع، وهكذا تتناسل الإحباطات بعضها من بعض إلى أنْ يأتي اليوم الذي يفقد فيه صاحبها الثقة بنفسه وأنه لم يعد ينفع لفهم أو عمل.

لقد غدا واجبًا على المفكرين -كما يرى "كولن"- أن يستخدم كُلُّ واحد منهم فكره من أجل تنشيط القوة الإبداعية في روح الأمة من جديد؛ ففقدان هذه القوة يجعل الأمة تفقد رغبتها في الإنشاء الفكري والبناء الإعماري، فيميل أبناؤها إلى الدَّعة والتبطل، والركون إلى التسلية والمجون، فلا يبنون ولا ينشؤون، فالفكر الحق لا يبلغ أسمى أهدافه إلاَّ بخدمة هذه القوة الإبداعية وتفعيلها في كيانات الأمة لكي تستطيع مسابقة الزمن، ومسايرة العصر، فالحياة المَعِيشة ينبغي أن تشكل لنا سؤالاً مؤلمًا وقاطعًا يتطلب منا جوابًا قبل ممارستنا لأسباب الحياة، وهذا الجواب هو ما يحاول "كولن" الدعوة إليه من خلال كتبه وأفكاره، فهو يرى أنَّ الأمة التي تخاف تبعات وجودها أمة لا تستحق أنْ توجد، لأنها تظلُّ منكفئة على نفسها تستذكر الخوالي من أيامها، والأمجاد من ماضيها، دون محاولة منها للإضافة والتجديد، فأيُّ صاحب قلم إذا لم يكن قادرًا على الإتيان بما يؤجج الحيوية الخامدة في قرائه فأولى به أن يكسر قلمه، ويهريق مداد دواته لأنه يضر أكثر مما ينفع، فالأقلام التي لا تدفع قرّاءها إلى اقتحام غمرات المجاهيل في الفكر والحياة، والمضي إلى أبعد مناطق الروح، وقارَّات النفس، فإنها أقلام مثلوّمة كسْرها أنفع من جبْرها..!

 

 الفهرست

 

 

الإنسان وروح العصر

 

بقلم: أديب إبراهيم الدباغ

 

كثيرًا ما يجري على أقلام الكتّاب والمفكرين مصطلح "روح العصر" في معرض بيان التوجهات الفكرية والروحية السائدة في زمن من الأزمان، ولتشخيص الطابع الفكري العام المميز له عن الحقب الزمانية التي سبقته.

ويتشكل "روح العصر" من قوى فكرية تعمل على تغذيته وإمداده بمقومات الفاعلية والتأثير في محيطيه الزماني والمكاني، فقوة أي فكر وقوة تأثيره، تتأتى من قوة صدقه، ومن قوة الحق الذي يحمله. وهذه القوة هي مظهر من مظاهر قوة الله وعظمته وتجليات جلاله وجماله على الأذهان والأرواح.

وإنه لمن المفزع أن نلمس في "روح هذا العصر" قصورًا معيبًا وعجزًا بينًا عن تغطية الجوانب الروحانية في الإنسان، الأمر الذي غدا من أوجب واجبات المفكر الغيور على شرف الإنسانية أن يسعى إلى إمداد فتيل هذا الروح بالزيت الذي يعيد إليه توهجه الروحي من جديد.

وقد كان "فتح الله كولن" واحدًا من المفكرين القلائل الذين انتبهوا إلى مخاطر انطفاء هذا الروح وموته على حياة البشرية، فمن غير روح عظيم يظلّها ويغار على موروثاتها الدينية والأخلاقية والحضارية تظل البشرية تشعر باليتم الروحي والتأزم العقلي طوال حياتها.

فالتفكير العقلي الخالص -كما يرى كولن- غير قادر على إنقاذ البشرية مما يتهددها من مخاطر الجفاف الديني والأخلاقي، هذا الجفاف الباعث على الرعب من الإنسان وعلى الإنسان، لأنه نوع من الجحيم الداخلي الذي يلتهم نفس صاحبه ويلفح بنيرانه نفوس الآخرين.

فالنفوس الجرداء والمجدبة غير قادرة على إنجاز عمل فكري عظيم يثري عقل العصر ويمده بأسباب اليقين الإيماني، فالأستاذ "كولن" ومن منطلق كونه مواطنًا إنسانيًا يسهم مع كل المفكرين الإنسانيين المهمومين بمشاكل العالم، لإنقاذ روح العصر مما يتهدده من مخاطر، وهو يدعو هؤلاء المفكرين أينما كانوا إلى أن يرتبطوا بميثاق شرف إنساني من أجل هذه الغاية العظمى التي لا أنبل منها ولا أعظم.

وقد كان لـ"كولن" شرف المسارعة إلى مباركة التجمع الشرفي لمواطنيه الأتراك من مفكرين وأخلاقيين وأدباء وشعراء وفنانين وفلاسفة وصحفيين وعلماء ورجال دين وتجار ورجال أعمال، متجاوزين في تجمعهم هذا كل خلافاتهم ومناقضاتهم، ومكرسين أنفسهم لهدف واحد هو الوقوف مع الإنسان في استعادة مكانته الروحية في هذا العالم.

والتجربة التركية -بحسب المختصين- من أنجح التجارب وأخصبها التي يمكن لأية تجربة على مستوى العالم أن تفيد منها وتتخدها نموذجًا يمكن اعتماده من قبل المؤسسات والهيئات المعنية بالشؤون الروحية للإنسان وأخلاقيات ضمير العالم.

فذهنية العصر المرهقة والمعذَّبة مخيفة إلى حد الجنون، لما يمكن أن تجره على البشرية -في ساعة من ساعات السأم- من مآسٍ وآلام، ومع ذلك فإن هذه الذهنية واثقة من نفسها إلى حد يجعلها لا تقيم وزنًا لمتطلبات إعادة النظر فيما خلفته من أوجاع للضمير البشري على هذه الأرض وما تعانيه من "الكسل الروحي" لا يقلقها إلا بمقدار قلقها من فشل تجربة يجريها أحد علمائها على فأر من فئران الاختبار، إنه عقل فاتر الهمة بكل ما يخص الجانب الروحاني من الإنسان.

وهذا هو ما يثير قلق "كولن" ويجعله معنيًا كل العناية بمشاكل عقل العصر وانعكاساته الخطيرة على معتقدات الناس أفرادًا وجماعات.

فعقل العصر وحده بلا روح يصحبه، ولا قلب يخالطه. قد يهيج كما تهيج الغرائز المتفلتة من عقالها، فيرغي ويزبد ويجدِّف ويدمر، ويثير من الفزع على مثاليات الإنسان الأخلاقية والدينية ما لا يطاق، فالنمو المفرط في الوظائف الذهنية الخالصة من جانب، والضمور الروحي والوجداني المفرط من جانب آخر، هو سبب اختلال توازن شخصية الإنسان المعاصر.

وما بين روح العصر وروح "العظيم" أكثر من نسب وصلة، فينجذب أحدهما إلى الآخر ليتبادلا فيما بينهما القوى الإدراكية والمعرفية عند كليهما. فروح العصر قمين بأرواح عظماء الرجال، فكم من عظيم استطاع أنْ يطوي روح العصر في أعماق روحه.

فعظماء كل عصر هم الذين يحركون روح العصر ويصوغون توجهاته الفكرية والروحية من جديد، ويقودونه إلى حيث تقودهم قواهم الروحية الجبَّارة..

فالبشرية وإن اختلفت شعوبها جنسًا ووطنًا وثقافةً وحضارةً، غير أنها تشكل وحدة روحية واحدة، يظلها عصر واحد، ويهيمن عليها روح هذا العصر، فالنظرة الاستنكافية لشعب من الشعوب من أن يكون واحدًا في هذا الجسم الشعوبي الوحْدوي ما هو إلاَّ استثناءً من توافق إنساني غير مقصود، ووترًا نشازًا في سمفونية التناغم الشعوبي، وتحديًا للمشيئة الكونية ذات الطابع التناغمي والانسجامي، فعذابات الشعوب مهما كانت أليمة لا تستطيع أن تؤثر على إراداتها في تعلم أنماط جديدة من السلوك الإنساني بعضها مع البعض الآخر، وإلا تعذَّر عليها مواصلة الحياة وتبادل أشلاء الأحزان فيما بينها لتظلَّ إنسانيتنا سالمة ونحن نتعامل بها مع الآخرين كاملة غير منقوصة.

فروح العصر الذي يمدُّ شعوب كرتنا الأرضية بتوجهاتها الفكرية والروحية، يفتقر اليوم إلى ذلك الفيض الروحاني الذي يساعده على أداء مهمته الارتقائية بروح الإنسان، الأمر الذي شكّل حافزًا ملحًا على مفكري العالم المعنيين بالشؤون الفكرية والروحية للإنسان لكي يتكاتفوا جميعًا من أجل إمداد هذا الروح بالمزيد من القوى التي بات الإنسان اليوم في حاجة إليها أكثر من أي زمن آخر... وهذه المهمة النبيلة هي التي نذر إليها الأستاذ "فتح الله كولن" نفسه وكرّس حياته وقلمه لها، فهذا الهدف الأخلاقي والإنساني يبلغ من السمو عند "كولن" إلى حد التخلي عن حياته نفسها إذا اقتضى الأمر -كما يقول- لكي يعمل للوصول إليه وتحقيقه فوق ظهر هذه الأرض، و"كولن" ليس "طوباويًا" غارقًا في الخيال كما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، إنه وجد في "المدرسة" المبنية على مزيج من روحانية السماء وعلوم الأرض آليةً لهذا العمل الكبير والنبيل، فشجع على الإكثار منها ونشرها في تخوم العالم لتخريج المثقف الواعي والعالي الذي يجد نفسه على وفاق مع الكون وفي الوقت نفسه على وفاق مع الروح التي بين جنبيه.   

 

 الفهرست

 

!... هؤلاء المجانين

يبقى الفكر الرفيع حبيساً في ذهن صاحبه لا يثير الانتباه، ولا يجلب الأنظار ما لم يتحول إلى لهب ترتفع ألسنته إلى عنان السماء، مخترقةً سود الليالي، ومشعلةً النار في هشيم الظلمات. وهنا ينتبه إليه الناس، ويقبلون عليه، ويقبسون منه، ويأخذون عنه، ويسضيئون به، ويتدافعون لحمل تبعاته، ونشر أفكاره، ويمتلئون حماسة بالانتصار له، والدفاع عنه، والعيش من أجله.

فالعيش في هذا الفكر الملتهب، والعيش من أجله ولأجله، يحتاج كذلك إلى رجال من ذوي الإرادات الملتهبة، والوجدانات المشتعلة، والنفوس الفوَّارة، والعقول الوثَّابة، والإدراكات العالية، والفهوم الفطنة الذين إذا مشوا تواثبوا، يسابقون الزمن، ويختصرون المسافات، لا يتعبون ولا يَمَلُّون، ولا يركنون لراحةٍ، ولا ينعمون بدفء فراش، أو ملازمة زوجة وأولاد، شعارهم: خَلُّوا سبيلنا ودعونا نضرب في أرض الله، يكسرون العادات، ويخترقون المألوفات، ويلوون رقاب الأيام إلى حيث يريدون.

إنّ نار الوجد الإلهي تحرق أفئدتهم، وتأكل أكبادهم، فيلوبون من لواعج ما يجدون فلا يستقربهم مقام، ولا يأنسون بحال، إنهم حراك يتدفق، وعمل دؤوب تنتهي الأزمان ولا ينتهي لهم في كل يوم شأن، يأخذون بأيدي المنهزمين، ويجبرون كسر المنكسرين، ويُنهضون المنسحقين، ويزرعون الأمل في اليائسين، ويُطلِعُونَ شمس الهدى في ظلماء التائهين، إنهم جنود القدر وأنصاره، يستخدمهم في رسم خطاه، وإنفاذ أمره، وتحقيق غاياته، وإشعال العزائم، وإتيان الخوارق، وتخطي العوائق، والجري وراء الآتي من الزمن، والقادم من المستقبل، لا تستنفدهم آلام اليوم، ولا توهن عزائمهم فواجع الحاضر، فلهم من الإيمان واليقين ما يجعلهم يمشون فوق الآلام، ويتخطون جسور الأوجاع إلى الهدف المنشود، والغاية المبتغاة، إنهم يشكلون ضمير العالم كما ينبغي أن يكون، وعقل الخليقة التي تريد الحصانة من الجنون، إنهم درجات متحركة في سلم الوجود لمن يريد الصعود، وشعل محبّة توقد مجامر الخلود في الإنسان الموعود:

ولعل هؤلاء الذين استعرضنا بعض ملامحهم في السطور السالفة هم "المجانين" الذين عناهم الأستاذ "فتح الله كولن" متضرعاً إلى الله تعالى أن يمنحه قلة منهم يجدون في بطولة السمّو واحداً من مطامحهم العالية، ثم لا يكفُّون عن ملاحقة قلوبهم الفتية المتفلتة من أقفاصها نحو ذرى العظمة الإيمانية من خلال الفكر الذي يمتثلون ويجهدون لجعله تاجاً يزين هامة البشرية التي تآكلت تيجانها منذ زمن بعيد.

إن شعور أجيالنا الطالعة بالانهزام العقلي يشكل اليوم واحداً من إحباطاتنا التي تشلُّ قدراتنا العقلية، وتعيقها عن النهوض من جديد لتجديد نفسها، وتنشيط قواها، أما روحنا فقد أصابه المرض، وركبته العلل، وأوهنته الهبوطات والسفليات والعمى عن "الماورائيات"، ولقد أفرغتنا الأيام من جوهر وجودنا الاستثنائي بين الوجود، إننا ندرك اليوم كم كان شقاؤنا مريعاً عندما عشنا وكأننا بلا ربّ يربينا وبلا إله يراعينا، فغدت حياتنا تعباً مُمِلاً ومتاهات محيرة.

إنّ خمود الاستعلاء الإنساني في الإنسان المؤمن، وانسحاق روحه تحت أثقال المشاغل الدنيوية، وتشتت ذاته بين مختلف الاتجاهات، هو واحد من أسباب الضعف الروحي والفكري الذي نعاني منه جميعاً، حتى غدا التعبير عن ذواتنا فنياً فيه من الضحالة والسطحية ما جعلنا نبدو أمام الآخرين وكأنّنا عراة من أية أعماق فكرية أو روحية، وغدونا أشدّ ما نكون افتقاراً إلى دروس في الروحانية العالية، والفكر الأعماقي الذي يتحفنا به بين آونة وأخرى الأستاذ "فتح الله كولن" في كتبه ومقالاته وأحاديثه.

لقد بلغ بنا الهزال الروحي والفكري إلى الحد الذي جعل الآخرين ينظرون إلينا وكأننا قوارير عتيقة سرعان ما تتفتت في الأيدي عند أخف الضغوط.

فأعمال "كولن" الفكرية إنما هي مناخات عقلية ووجدانية تساعدنا على أن نتنفس حتى أعماق رئاتنا صفاء الأفكار ونقاءها وعظمتها، فنتحول بهذا الفكر إلى كيانات متماسكة من الإيمان والمعرفة صعبة الاختراق والتفتت.

إنّ مما يجلب الانتباه في هذا الفكر الملتهب عند "كولن"، أنّ أفكاره إنما هي شرح وتفسير لأعماله، وأعماله إنما هي أفكار مطبقة أو هي في سبيلها إلى التطبيق.

ومما يثير الانتباه في هذا الفكر كذلك قدرته الفذّة على مغالبة اليأس وابتعاث الرجاء من مكامنه حيث يضيع كل رجاء، إنه فكر تجددي ولكنه غير استجدائي، اكتفائي غير افتقاري، تراثي وحداثي في الوقت نفسه، ماضوي ومستقبلي، محلي وعالمي، كوني السعة، إنساني النظر، عولمي الامتداد، يعتمد الحوار، ويتقبل الآخر، ويدعو إلى السلام.

أديب الدباغ

 الفهرست

 

 

alhasso.com                                      Top of Page  اعلى الصفحة                                     Hit Counter

View our Guest Book               يرجى اعطاء رأيك في دفتر الزوار                               Home Page