موقع سالم الحســـو

  alhasso.com

Home الرئيســية

 الجديد في الموقع

New Items

اداب و فنون

Arab Artists

التراث القديم

Past Culture

 الموصل الحدباء

Mosul Iraq

 الصحافة العالمية

World News

مواقع أدبية وفنيـة

Selected Websites

البصرة الفيحاء

Basra

تاريخ العراق 

History of Iraq

 

Guest Book  دفتر الزوار

 Mahmoud Saeed الروائي محمود سعيد

  موقعنا على الفيسبوك 

محنة المثقفين العراقيين في ظل الحصار - فترة التسعينات

حلقة مفرغة -أنا حيّ أم ميّت؟

هزيمة أخرى

شؤون وشجون موصلية

Mahmoud Saeed - محمود سـعيد

حوار مع الروائي محمود سعيد، في شيكاغو تريبيون
مجلة الرواية

مجلة نيويوركر تتناول تجربة الروائي العراقي محمود سعيد

مع الروائي العراقي الكبير : محمود سعيد

مازن لطيف علي

مائدة العرب - ابن سيار الوراق

  الفردوس المسروق - بقلم محمود سعيد

زاوية مصادر البحث والإبداع: مع الروائي محمود سعيد

الدكتور فاروق اورهان

 ثلاثية الأرواح الضائعة .. كتاب للناقد حسين سرمك

رواية الشاحنة

تجربة الروائي محمود سعيد..من البندقية المشؤومة

إلى زنقة بن بركة * مجلة الرواية

 الدنيا في أعين الملائكة- رواية عراقية تستعيد الزمن الجميل

حسين سرمك حسن
زنقة بن بركة للروائي العراقي محمود سعيد/رؤية تحليلية

اقرأ قصة : الدنيا في أعين الملائكة

Mahmoud Said - Wikipedia

ترجمة 'الدنيا في اعين الملائكة' الى الانكليزية

رواية "الدنيا في اعين الملائكة

يتم تدريسها في جامعة "دي بول الامريكية

Meet Mahmoud Saeed  at

Coulombia College - Chicago

The contemporary Arabic novel.

رواية الأسر

An Inteview with Mahmoud Saeed

BY STEPHEN MORISON, JR.

Saddam City

Iraqi Novelist Mahmoud Saeed:

 Finding the Needle in the Haystack

بنات يعقوب

ben baraka lane

 by Mahmoud Saeed

الجنديّ والخنازير- قصة قصيرة

The soldier and the pigs

Short Story by Mahmoud Saeed

Love and the Demonstration

أشجار البرتقال - قصة قصيرة

رســالة الى وفيّـة

   
   
   

 

 

عبدالخالق الركابي

ثلاثية الأرواح الضائعة" .. كتاب للناقد حسين سرمك عن "ثلاثية شيكاغو" للروائي محمود سعيد
----------------------------------------------------------------------
عن دار ضفاف في دمشق، صدر للناقد الدكتور حسين سرمك حسن كتاب جديد عنوانه "ثلاثية الأرواح الضائعة" عن "ثلاثية شيكاغو" للروائي "محمود سعيد" . ضم ثلاث دراسات مستفيضة عن أجزاء ثلاثية شيكاغو الثلاثة: حافة التيه، إسدورا، وزيطة وسعدان. وقد خصص الناقد سرمك مقدمة كتابه للإجابة عن تساؤلين سيثوران حتما في ذهن القاريء هما: لماذا محمود سعيد؟ ولماذا "ثلاثية شيكاغو"؟

للإجابة عن السؤال الأول قال:(ليس مهما، أن يكون محمود سعيد، قد فاز بجائزة فتى العراق عام 1956عن قصّته "بندقية صيد"، وهو بعمر ثمانية عشر عاما، كما ورد في سيرته فهناك من كتبوا القصة بعمر أبكر، وليس مهما أيضا، أنه أصدر مجموعته القصصية الأولى بعد ذلك بعام واحد "بورسعيد وقصص أخرى"، والتي يقول عنها، أن نسخة واحدة منها، كانت محفوظة في المكتبة الوطنية ببغداد، ولا يعلم إن ظلت على قيد الحياة أم لا، بعد تعرّض المكتبة الوطنية – وفيها جزء عظيم من تراث العراق الثقافي الهائل – للحرق على أيدي الأميركان الخنازير الغزاة وقت احتلالهم للعراق في عام 2003 المشؤوم..

أقول: ليس مهما تلك النتاجات المبكرة، برغم أهميتها في تاريخ محمود سعيد الشخصي، لكن المهم هو مثابات التحوّل النوعية التي حققها محمود سعيد في مسيرته السردية اللاحقة، والتي مثلت إضافات نوعية للفن الروائي العراقي، وفي مقدمتها بطبيعة الحال روايته "زنقة بن بركة" (1970) التي شكلت نقلة نوعية في بناء الرواية العراقية، وأسسها الفكرية والفنية والجمالية، حتى ليكاد الناقد يقول إنه لولا صدور رواية الراحل "غائب طعمة فرمان" "خمسة اصوات" في عام 1967 ، أن رواية محمود هي التي دشّنت دخول الرواية العراقية عهدها الفني الناضج. ثم يأتي الإنجاز الفذّ في عام 2008، حيث اختار موقع

 شؤون المكتبة - Library Thing

وهي  مجموعة من المتطوّعين منبثّين في جميع أنحاء العالم يقوّمون كلما يُكتب باللغة الإنجليزية أومايُترجم إليها ،

 اختار 192 رواية كأفضل ما أنتج في مجال الرواية خلال قرن كامل. وحصلت رواية محمود سعيد "أنا الذي رأى" على أربع نجوم من خمسة، لتكون إحدى أفضل إثنتين وخمسين رواية في العالم. وهذا الأنجاز هو وسام يوضع على صدر الفن السردي العراقي. وفي عام 2009 اختارت منظمة العفو الدولية 37 كاتبا من العالم كله للكتابة عن مبادئ حقوق الإنسان. ونشر مجموعة القصص في بريطانيا، كندا، أمريكا، تركيا، اسبانيا دول أخرى وإن أحببت أرسلت أغلفة المجموعة ببضع لغات.وفي سنة 2010 كتبت عنه"مجلة النيويوركير" مع بضعة كتاب عرب.

اقرأ المقال  في مجلة النيويوركر


وفي سنة 2012 اختارت مجلة عالم الأدب الأمريكية قصة مستعمرة العظايات كأفضل قصة قصيرة لهذا العام، ورشحتها لجائزة البوش كارت).


أما عن سبب اختياره ثلاثية شيكاغو من بين أعمال محمود سعيد الروائية الكثيرة فقد قال سرمك:

وفي عام 2008، وفي ما يتعلق بمشروعي النقدي عن منجزه، حقّق محمود سعيد إنجازا روائيا آخر يضاف إلى رصيده السردي من ناحية، وإلى مسيرة الفن الروائي العراقي من ناحية أخرى، وذلك عندما أصدر "ثلاثية شيكاغو"، وهو عمل ذو نفس ملحمي، يتكون من ثلاثة أجزاء. هذه الثلاثية هي التي اخترتها لتكون موضوع هذا الجزء من مشروعي عن الفن السردي لمحمود سعيد. ويقف في مقدمة الدوافع التي جعلتني "أقفز" زمنيا عقودا عدّة، لأتناول الثلاثية، في الوقت الذي بدأت فيه صلتي النقدية بمنجز محمود بدراسة عن روايته "زنقة بن بركة"، هو أن موضوعها أكثر إلحاحا في صلته بمتغيرات الحياة الراهنة مع علمي أن موضوعات الفن الحقيقي حيّة لا تموت. لقد تمسك محمود سعيد -ومنذ أعماله الأولى - بهموم ومحن الإنسان العراقي المسحوق وانتصر لها حتى وهو يرصد إنكساراته الموجعة، مؤكدا أن على الفنان أن لا يتعالى على هموم الإنسان، وأن يكون - من دون أن يغفل الإشتراطات الفنية واللغوية والجمالية طبعا - في خندق هذا الإنسان في اي زمان وفي أي مكان، وتحت أقسى الظروف. وكيف لا ينتصر لإنسان أرضه، وهو الذي كان شعار حياته -ومنذ مرحلة مبكرة في نشاطه الإبداعي- ومايزال الإنتصار للإنسان المقهور في وجه الطغيان والإذلال والإنسحاق، والذي عبّر عنه بقوله: (أنا مستعد للوقوف مع أي مظلوم حتى ينال حقه، ولو كان الظالم أخي. إنني أومن بحق كل الناس بالعيش والحياة الكريمة، مهما كانت معتقداتهم وانتماءاتهم الوطنية والقومية، ولذا فلن ترى شخصاً متعصباً محترماً في رواياتي). وقد فرض عليه هذا الإيمان الراسخ ان يبقى على شطآن المدرسة الواقعية -طبعا ليست الواقعية الفجّة ولا الكلاسيكية- التي هي واقعية حديثة بوصف دقيق. ومحمود سعيد لم يستطع أن يغمض عينيه عن الدماء التي سُفكت، والتي ستُسفك -وقت كتابة الثلاثية- في وطنه بفعل عدوانات الولايات المتحدة الأميركية الوحشية على العراق، وبينها حصار العشر سنوات الجائر الذي اجتث مليون إنسان من شعبه. لكن ثلاثية محمود سعيد الضخمة (أكثر من 680 صفحة)، تكشف بلا تردد، طبيعة المجتمع الأميركي الفردوسي الذي منّى المهاجر العراقي نفسه به طويلا، كجحيم لا يُطاق، ومصدر ضغوط جسيمة يواجهها في محاولة التكيّف مع طبيعة الحياة فيه. فبرغم توفير المستلزمات المادية و"الكرامة" إلا أن الكثير من المهاجرين العراقيين -في العيّنة التي عرضها محمود سعيد على الأقل- يواجهون ضياع "دلالات" ذواتهم، في مجتمع يقوم على اساس "فصل الدال عن المدلول" ولانهائية المعنى وصولا إلى ضياعه، ويسوّي بين الإنسان والمادة. والثلاثية أيضا هي محاولة متفرّدة للغوص في أعماق نفسية المهاجر العراقي تحديدا، وما يعانيه من مصاعب، ويواجهه من تحولات بعضها يبدو مستحيلا لأنه يخالف الطبيعة البنيوية لشخصيته. فهي لا تتردّد في الإمساك الحازم بمواضع الإختلالات العميقة في شخصية المهاجر والتي يأتي محملا بها من وطنه الأم فتربك حياته في البلاد الجديدة. وهي -أي الثلاثية- كشف لما يجري في مجتمعات هؤلاء المهاجرين من سلوكيات وصراعات وأفعال ملتبسة ومقلقة جعلتهم أنموذجا ينطبق عليه المثل العامي عن الكائن الذي "يضيع المشيتين"، بكل ما يعنيه ذلك من ضياع وخيبة وصراعات. وعلى الرغم من أن المكان الذي اختاره محمود بنجاح هو "شيكاغو" الولاية الأميركية التي يعيش فيها منذ عقدين والتي عرف تفاصيلها كدليل مقتدر، إلا أن الثلاثية وخصوصا في جزءها الأخير هي بحث في معاناة المهاجر العربي إلى أي بلد غربي بشكل عام. فهو يدرك أن "الرحيل -أي رحيل- يعني قليلا من الموت". وهناك سمات فنّية وجمالية باهرة على المستوى اللغوي والتصويري، وعلى مستويات اللعب على أوتار الضمائر الساردة وموضوعة الزمان والمكان والإستخدام الموفق للغة العامية والمنضبط للغة الشعرية وغيرها ميّزت بناء هذا العمل بأجزائه الثلاثة.


وقد أهدى المؤلف كتابه : (إلى روح المبدع الراحل "ذنون أيوب"؛ إلى تغرّبه وعذاباته؛ وإخلاصه لمحلّيته في منجزه الإبداعي

 

عودة الى المحتويات

 


محنة المثقّفين العراقيّين في ظلّ الحصار فترة التسعينيات المنصرمة

April 13, 2013

وكلاء أدبيون وناشرون عرب انتهكوا حقوق الكتاب الفكرية
محمود سعيد

دافع الأستاذ الكبير ناطق خلوصي عن الأدباء العراقيّين في ظلّ الحصار، في مقالة نشرها في موقع النّاقد العراقيّ، فذكرني بمقالة كتبتها عنهم سنة 1999 ونشرتها في جريدة الحياة اللندنيّة، والقيتها في النّدوة العربيّة جامعة شيكاغو في شتاء السّنة نفسها ثم قام الدّكتور إيلي شلالا، بترجمتها إلى الإنكلزية ونشرها في مجلة
Aljadid
التي تصدر في لوس أنجلس.
لم أعثر على المقالة العربيّة الأصلية، لكن التّرجمة موجودة، وهذه مقتطفات منها

منذ مدة قصيرة وصلتني رسالة من موسى كريدي، قبل وفاته ، يشكرني لأني أرسلت إليه ما يعادل 100 دولار مكافأة لمادتين كنت قد رتّبت لنشرها في إحدى الصّحف الإماراتيّة البيان خارج العراق . " كان أمامي خياران إما بيع سيّارتي أو تركها يتآكلها الصّدأ تحت المطر والشّمس، إضافة إلى أنّها في حاجة ماسة لإطارين جديدين، الأنّ مع 100 دولار أستطيع شراء الإطارين وتجنّب وفاة سيّارتي ". نعم استطاع موسى أن يجنب سيّارته من الموت، ولكنه لم يستطع هو نفسه تجنّب الموت، فتوفي بعد بضعة أشهر، وهو بالكاد يبلغ خمسين سنة.

مما لا شك فيه، أن موسى كريدي لم يستطع مقاومة الضغوط الاقتصاديّة التي فرضتها الامم المتحدة، من عقوبات وممنوعات، بعد أن وضعت حرب الخليج الثّانية أوزارها فتوفي. نما كريدي في ظلّ حزب البعث العربيّ الاشتراكي، واقتنع بأيدلوجيته، وتتمتع بامتيازاته، براتب سخيّ من وزارة الإعلام العراقيّة، كغيره من الكتاب من أقصى الشّمال حتى أقصى الجنوب، لكن هؤلاء السّادة المثقّفين لم يستطيعوا الاستمرار عندما اهتزت القاعدة الاقتصاديّة للنظام إثر هزيمته في حرب الخليج الثانية، وبخاصة بعد أن فرضت الأمم المتحدة حصارها. عندئذ أصبحوا يعانون كباقي أبناء الشّعب، إذ لم تعد موارد البلد الضئيلة تكفي لحاجات النّظام الأساسية، ملغية المصروفات التّرفية التي كان من ضمنها إجازة مداحي صدام حسين سياساته.
أجور معظم المثقّفين العراقيّين تتراوح من 5,000ــ 8,000 دينار عراقيّ، أي ما يعادل ثلاثة إلى أربعة دولارات شهريا، وهو الدّخل الذّي يكشف محنتهم الاقتصاديّة كالمواطنين الآخرين. ومثل بقية السّكان لجأ الكتاب والفنانّون إلى بيع مجوهرات أسرهم والأدوات المنزليّة الخاصة بهم، سواء كان ذلك ثلاجة أو مكيفاً، قطعة أثاث أو جهاز تلفزيون، كلّ ذلك من أجل الحفاظ على لقمة كفاف لا تكاد تسدّ الرّمق.
لم يعان المثقّفون وحدهم من الحصار، فقد شمل المؤسسات التّعليمية والإدارية وحتى المستشفيات، أصبح مشهدا مألوفا ورود تقارير تتحدث عن تجارة الأعضاء البشرية في صفوف المثقّفين وغير المثقّفين على حد سواء، فقد عم الإذلال والإهانة الجميع، حيث لم يفكّر في العواقب من استغنى عن عضو في جسمه. وربما كان للمثقّفين امتياز متفرّد إذ قاموا ببيع المكتبات الشّخصيّة، والكتب المهمة التي يعتزّون بها ثم أصبحوا يعقدون مزادات كلّ يوم جمعة، لبيع ما كانوا لا يفرّطون به مهما ساءت الحال. ومن نافلة القول أصبح المشهد الاكثر اثارة للصدمة هو قيام المثقّفين أنفسهم ببيع كتبهم بأنفسهم إضافة إلى بيع أحد أعضاء أجسادهم أحياناً، ولعل أكثر المفارقات غرابة أن نتصور المثقّفين يقفون في تقاطع الطّرقات يبيعون السّجائر والسّاعات والأثاث المنزليّ.
ضحايا الاستبداد
استغل الحال بعض الصّحف العربيّة التي تصدر في الخارج، فكانوا يبعثون بمكافآت للكتّاب لا تزيد على بضع دولارات، ولعلّ كلّ تلك المظاهر البائسة صوراً للبحث اليائس من أجل الحصول على مزيد من الدّخل. وبهذا تساوى ما تدفعه الصّحف الحكوميّة التي تصدر في الدّاخل بمكافآت الصّحف العربيّة التي تصدر في الخارج. ولشدة السّيطرة الحكوميّة على الأدب وللضغوط الاقتصاديّة على المواطن والأديب بشكلّ خاص بات ما ينشر من أدب عراقيّ في الثّمانينات والتّسعينات رثّاً متأرجحاً بين الجودة والهبوط قياساً بإنتاج العصر الذّهبي للفترة السّابقة حينما كان الشّعراء والرّوائيون العراقيّون في طليعة الإبداع والتّقدم.
الثّقافة العراقيّة والأدب هي ضحايا مجموعة من الأولويات التي حددها النّظام، التي تنص على وظائف معينة يتم الاحتفاظ بها أو إلغاؤها، وتتأثر القرارات في المقام الأول باعتبارات سياسية. وهكذا، نرى مجموعة كبيرة من مهنيّين، مصورين، مترجمين، مذيعين عاطلين عن العمل، لا لأنهم لا يدعمون النّظام، لكن لأنّ خدماتهم لم تعد ضروريّة لخدمة النّظام حالياً. إضافة إلى اعتماد تقليد طويل من التّمييز بين الكتاب بعيداً عن اعتماد معايير نقيّة في السّياسة والأيديولوجيّة.
إن من أهم مظاهر استغلال الأديب هو وقوعه ضحيّة دور النّشر العربيّة التي تتحكم به في منطق السّوق، وإن كان بعض الكتاب العرب يتمكن من دفع ثمن معين لنشره كتاباً فإن الكاتب العراقيّ الذّي أمضه الحصار يعجز عن ذلك، وبهذا تم استبعاد الكثير من الكتاب والأدباء العراقيّين وأصبحوا في واقع الحال عاجزين عن اللحاق بالشّوط.
ولا يتوقّف استغلال المثقّف العراقيّ عند دور النّشر الجشعة بل برزت إلى الوجود ظاهرة أخرى في ظلّ الحصار الجائر وهي وجود ما يسمى الوكلاء الأدبيّون إذ أصبح الوكيل سيد انتهاك حقوق النّشر الفكريّة، من خلال ترتيب مبيعات، قصائد، قصص، روايات، مخطوطات مقابل حفنة من نقود لا تسمن ولا تغني من جوع.
 
توفي عبد الملك نوري، سيد القصة العراقيّة القصيرة في الآونة الأخيرة، كان وحده، شبه أعمى، لم يكن ما معه كافٍ لشراء قطرات العين. قبل أن يتوفى، اضطره الضغط الاقتصاديّ لبيع ما لديه من مكيّفات هواء، وأدوات منزليّة أخرى مما جعله يعاني بشدة من حرارة عالية لا يمكن تحملها صيفاً. وكان مصيره متوقعاً، فقد حالتّ طبائعه السّامية وما يتوافر على كرامة ونزاهة من بيع قلمه للدولة. وشاركه في المصير نفسه الشّاعر العظيم البياتيّ، والكاتب هادي العلويّ، الذّي توفي في سبتمبر الماضي في دمشق، بعد أن غادرا العراق لنفس الأسباب التي دفعت الآلاف من المثقّفين  للمغادرة. توفي الأوّل رغم شهرته، والثاني رغم كتاباته المنتشرة فقيرين أيضاً، ولعل الفقر سمة المثقّفين العراقيّين فهم يموتون دائما فقراء في العراق وخارج العراق.

نشرت في مجلة الجديد، المجلد. 5، NO.26، شتاء 1999
ترجمة وتحرير من العربيّة من قبل إيلي شلالا.
 

 

عودة الى المحتويات

 

هزيمة أخرى 

محمود سعيد

16-3-2013


ألنْ صديق أمريكي، روائي، اعتدت التّواصل معه لقاءً وهاتفيّاً وبريداً إليكترونياً يوميّاً، وعندما تمرّ بضعة أيام لا أتصل به يعرف أنّني أمرّ بأزمة، فيبادر هو ليسأل، لكنّه هذه المرّة ظنّ أنّ القضيّة لا تتجاوز الزّكام، لشدّة البرد الذّي لطم شيكاغو قبل أسبوعين واستمرّ إلى الآن. نزلت درجة حرارة الجوّ نحو عشرين تحت الصّفر، تراكمت فيها الثّلوج حتى ارتفعت نحو قدمين في الأرصفة والشّوارع، أوّل كلمة قالها هل نفد ما عندك من عصير ليمون مركزّ؟ دعني أزوّدك بقنينة. الليمون وصفتي له منذ سنوات حين يفاجئه الزّكام وأمراض البرد.
ابتسمت، قلت له إنّها نازلة أشدّ من البرد والزّكام والأمراض كلّها.
ماهي؟
احزر. لو قلبت في المصائب كلّها فلن تصل إليها.
بدأ يعدد، حتى إذ استسلم قلت له توقّفتِ الآداب.
وبعد سؤال وجواب، واستفسار وشرح، أخذ يضحك، قال عشرات المجلات المحترمة توقّفت هنا في أمريكا ولم يحزن أحد.
ليس كلّ المجلات الآداب. إنّها مجلة، وأمل قوميّ، ومسيرة نضال سياسيّ وأدبيّ، واتجاه وعي جذريّ، ومدرسة تعليم، وجامعة شاملة وأعطيته موجزاً لتاريخ طويل عريق معبّق بالإثارة والمجد، لمجلّة كانت طيلة عقود قمراً يضيء الطّريق لنا في ليل بهيم، وشعلة وعيّ علمتنا معنى الأدب الحيّ، الذّي لم تعرفه مدارسنا ولا جامعاتنا على كثرتها، ونقطة تجمّع مفكرين وكتاباً امتدّوا على طول أرض وطن عربيّ عريض بدأ بالخليج العربيّ ولم ينتهِ بالمحيط، بل تعدّاه إلى المهجر. حدثته عن فخر كاتب ناشئ اضطهدته حكومته ومنعته من النّشر، لكنّه حينما تشتد به الأمور وتضيق به الأرض، ينتصب شامخاً ويقول نشرت لي الآداب. تلك الجامعة الكبرى، المتواضعة، المتألقة، الحرّة، كانت هدف الأديب العربي النّاشئ ومدرسته ومعلمته وناصحه، ومنيرة دربه وموضع فخره.
قبل أيام ظهر سمو الأمير طلال غاضباً مكفهّراً مزمجراً مهاجماً مجلة فوريس لأنّها ارتكبت بحقّه جريمة كبرى، زلّة عظمى لا تغتفر. تحيّزت، لم تقوّم المجلّة ثروته حقّ قيمتها، ولم تعتبره أحد أغنى عشرة أشخاص في العالم. نعم، ثارت ثائرة الأمير لهذا الإهانة الكبرى. لم تثر ثائرة الأمير لتوقّف مجلة أدبيّة نشرت الوعي وخير ما جادت به أقلام الأدب العربيّ والعالميّ المعاصر، لو اشترى هذا الأمير ألف عدد، من جميع مجلات العالم العربي الجادّة ووزعها على المثقفين من أبناء جلدته، لم تنقص ثروته شروي نقير، لم تتوقف الآداب ولا غيرها، بل ازدهرت ونمت وأضافت له مجداً لم يحلم به.
نشرة فوريكس نفسها تتمتع بحس نقديّ فيه بعض جذور إنسانية لا تتوافر عند الكثير من أثريائنا. ألمحت أن المليونيرات العرب يجمعون المال لأجل الكنز ولا يهتمون بالتّبرع، والمقصود بالتّبرع هو المساهمة في تقليل عناء الفقراء، ومن المعلوم أن كنز المال حرام في الإسلام.
في أمريكا ملياردير بوفيت يتبرع بمعظم ربحه السّنوي للمنظّمات الخيريّة، رفض طلب ابنته قرضاً لتجديد مطبخها، قال لها حالك حال الأخريات اللواتي يلجأن إلى البنوك.
في أمريكا يوصي اليهود 5 من تركاتهم لتعليم الأطفال اليهود، وهنا أيضاً تركت مليونيرة كلّ تركتها أكثر من مئة مليون دولار لمجلّة شعريّة، فكم من أثريائنا تركوا كل ثرواتهم لمجلّة أو جامعة، لا بل نصف ثرواتهم، لا بل واحداً بالمئة نحن أمة طبعنا على الهزيمة والذّل والجشع والأنانيّة اشترى مليونير فلسطينيّ حطام سيارة ديانا بمليون دولار، ترى كم يملك هذا الحيوان العاقل حسب تعريف أرسطو من ملايين؟ وتبرع له أخٌ في العروبة سوريّ في بريطانيا بـعشرات الملايين لجامعة بريطانيّة، لكن الجامعة رفضت تبرعه لأنه عربيّ، ثم عادت فغيّرت رأيها، لكنّه لم يغير رأيه ويتبرّع بالمبلغ لجامعة سوريّة، أو عربيّة، ولم يشعر بأي عزّة أو أنفة، وعاد فتبرع للجامعة إياها بالمبلغ نفسه.
هنا في شيكاغو مجموعة من الحيوانات العاقلة العراقية مليونيرات أيضاً، لهم ناديهم واجتماعاتهم وسهراتهم.. ولا يعرفون أيّ شيء عن الملايين من ضحايا الغزو، ماتوا في العراق، ولا الأرامل اللواتي تجاوزن المليون، ولا عن أطفال الشّوارع العراقيين نافوا الآن على ثلاثة ملايين ولا عن سجون التّعذيب والاغتصاب، ولا عن التّهجيرات، لا يعرفون أيّ شيء يمتّ إلى العراق قطّ، اللهم إلا إن جاء وزير أو مسطول كبير فيقومون بدعوته، وأخذ الصّور معه.
لو أشترى أيّ من هؤلاء الحيوانات العاقلة بضع مئات من أيّ مجلة أوادم لبقيت المجلة حيّة، لكنهم ليسوا أوادم، ليسوا سوى حيوانات عاقلة، إضافة إلى أن مجلة كالآداب تستعصي على النّفاذ إلى خليّات أدمغة هذه الفئة الميتة.
هذه الطّغم الهزيلة لا تعرف معنى الرّحمة ولا الإنسانيّة ولا الضّمير مع الأسف الشّديد، بالرّغم من أن شاعراً بدوياً عاش قبل الإسلام عرفها ومارسها قولاً وفعلاً أوزع جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد .
توقُّف الآداب، معركة أخرى، معركة خسرناها نحن العرب كلنا لا عائلة سهيل إدريس وسماح وعائدة ورنا مع الأسف الشّديد، كان بإمكاننا ألا نخسرها، لكنّا نعيش صوراً من غير روح، لأنّنا ظلّ لرجال رحلوا منذ قرون، ماتوا، هزموا إلى غير رجعة منذ أكثر من سبعمئة سنة حينما خانوا وطنهم وتعاونوا مع المغول فقضى عليهم، وهم الآن يخونون وطنهم ويتعاونون مع أعدائهم، ليبقوا كما هم، وإن ماتوا كان مصيرهم أسفل السّافلين.
 

 

عودة الى المحتويات

 

الدنيا في أعين الملائكة

 

أُركُضْ قبل ما "تروح" الصّلاة على أبيك.

      ما إن يتفوه “الملّا” عبد الحميد بعبارته تلك حتى أنهض حالاً وأبدأ الرّكض. لا أكاد أقف لحظة واحدة، قبل أن سُجِّلت في المدرسة أو بعد ذلك. في أيام الدّراسة أو في عطلة الصّيف. أركض حافياً كالمكوك. نادراً ما أتوقف. كان أحمد المكلوب لا يتركني أرتاح لحظة واحدة. لا يرتاح إن رآني أرتاح. ومع ذلك فقد منحني ذلك الاضطهاد العنيف الذي بدأت معاناتي منه وأنا طفل في الخامسة من عمري واستمر حتى المراهقة، منحني ولوج عوالم لا أول ولا آخر، أغنت خيالي، وظلت ترافقني حتى آخر عمري.

 


اقرأ القصة بكاملها الآن

(قم بتحميل الملف )

 

 

 

الفهرست

 

Mahmoud Saeed new novel ' Lizards's Colony'

 Shortlisted for Pushcart 2012

 

Dear Mr. Saeed,

 
Greetings from World Literature Today (Magazine). On behalf of Michelle Johnson and all my colleagues here at WLT, I'm writing to let you know that your story "Lizards' Colony," forthcoming in our November issue, has been chosen (in a unanimous vote) for our 2012 Pushcart shortlist. We'll submit your story to the Pushcart judges by the December 1, and will of course let you know should it be chosen for inclusion in Pushcart XXXVIII. As I told my colleagues when I first read your story, it's the most powerful piece I've encountered since Coetzee's Waiting for the Barbarians.
 
We'll announce the shortlist in our November issue and on our website by the end of this month.
 
It's an honor to be featuring your work in the pages of WLT, and congratulations on this recognition.
 
Cordially,
 
Daniel Simon, Ph.D.
Assistant Director & Editor in Chief

World Literature Today (Magazine)

 

عودة الى المحتويات

 

رواية   "الدنيا في اعين الملائكة"

يتم تدريسها في جامعة "دي بول الامريكية"

 

 

بعد ترجمة رواية "الدّنيا في أعين الملائكة "

 "The World Through The Angels Eyes"

 للرّوائي العراقي محمود سعيد إلى الإنكليزية،

 قرّرت جامعة "دي بول" الأميركية في مدينة شيكاغو

اعتماد الرّواية كمادة دراسية لطلّاب الماستر في قسم الأدب الإنكليزي لجامعة "دي بول".

 

الرّواية هي الثانية لمحمود سعيد التي يتم تدريسها في جامعة "دي بول" بعد روايته "أنا الذي رأى: Saddam City" والتي تُرجمت إلى اللغة الإيطالية أيضاً، ونالت اهتماماً نقدياً واسعاً في الولايات المتحدة الأميركية. ستقوم الدّكتورة كارولين كوفمان، المتخصّصة في الأدب التّركي والشّرق الأوسطي في جامعة "دي بول"، بالإشراف على تدريس الروايتَيْن المذكورتين.

 

جدير بالذّكر أن الروائي الأمريكي الن سالتر وآخرين قاموا بترجمة "الدّنيا في أعين الملائكة" إلى الإنكليزية. صدرت عن جامعة سيراكوز في نيويورك، في شهر كانون الأول "ديسمبر 2011" الماضي، فازت بجائزة مركز الملك فهد للتّرجمة في جامعة أركنساس.

تدور أحداث الرواية عن قصة طفل يعيش في مدينة الموصل في الأربعينات والخمسينات، وتصف الموصل كما كانت آنذاك، بتآخيها الدّيني المتسامح، وتنوّعها العرقي المختلف الهائل. فهذه المدينة الصّخريّة، بالرّغم من الحرّ الذي تتجاوز درجته الخمسينات صيفاً، تموج بأعراق: الآراميين والسريان واليهود والتركمان والأكراد واليزيديين والشبك والبدو والفلاحين العرب، والأرمن القادمين من بحشيقة وبحزاني وتلكيف وتل اسقف وقرقوش وألقوش وباطنايا وبرطلة وعين سفني وتلعفر وسنجار والعمادية ودهوك وزاخو وحمام العليل والشركاط وكيارة. أقوام يزينون المدينة بأزيائهم وأغطية روؤسهم وتقاليدهم، ويغردون بلغاتهم المختلفة، وبلهجاتهم النّادرة، حتى إذا هلّت بوادر الخريف رجعوا إلى ديارهم ومدنهم وقراهم، وتركوا المدينة لأهلها.

 

 المصدر: Source: DePaul Humanities Center  

الفهرست

 

Saddam City

by Mahmoud Saeed

One morning Mustafa Ali Noman, a teacher in Baghdad, is arrested as he reaches the school gates. For the next 15 months he is brutally interrogated, shuttles from prison to prison and barred from contacting his family. The question of guilt or innocence clearly irrelevant, Mustafa must fight to retain a grip on reality. 'How do I know that I am not dreaming this?' he asks. Mahmoud Saeed's devastating novel evokes the works of Kafka, Solzhenitsyn and Elie Wiesel in its account of the wanton and brutal treatment of the Iraqi people by Saddam Hussein's feared secret police. Narrated in a straightforward manner that makes it all the more vivid,the story testifies to the brutal arbitrariness of life under tyranny.

Available from Amazon

 

الفهرست

 

الشاحنة

رواية جديدة للروائي محمود سعيد

عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ صدرت رواية " الشاحنة " للقاص والروائي العراقي المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية محمود سعيد . تقع الرواية في 380 صفحة من القطع المتوسط، تصميم الغلاف: إسلام الشماع. الرواية تتناول ما حصل للعراق والعراقيين بعد الغزو الأمريكي، وكيف تعاونت القوات الغازية مع شرذمة من قطاع الطّرق والمجرمين والمنحطين واللصوص والفاسدين، وأوصلتهم إلي السّلطة، ومكنتهم من التحكم لا بأموال الأبرياء وممتلكاتهم حسب بل بأرواحهم. الرواية تظهر أيضًا الوجه القبيح للقوات الأمريكية والبريطانية وتورط الغزاة في عمليات نهب وتشريد وتهجير وتعذيب وقتل وجرائم حرب لا حدَ لها، فهي تلقي الضّوء علي تنظيمات إجرامية وحشية "نازية"، وتضع أساليبهم القذرة أمام عين القارئ. ولعل ما كشفته مئات آلاف الوثائق التي نشرتها "ويلي ليكس"، يتفق مع الحقائق التي صُوّرت في الرواية، وكأن المؤلف اطلّع عليها قبل أن يكتب روايته. وبالرّغم من كثرة الرّوايات التي تحدثت عن الاحتلال الأمريكي للعراق واستهتاره بالأرواح والممتلكات، إلا أن هذه الرواية قالت ما لم يقله غيرها، وفضحت ما لم تفضحه أي رواية أخري ووضعت النقاط علي الحروف، وكشفت للقارئ حقيقة الوضع في العراق بعد الغزو

-

 

محمود سعيد يتحدث لـ (الزمان) عن سيرة الغربان التي ترتدي ربطات العنق في رواية (الشاحنة

يبدو محمود سعيد في روايته الجديدة، كشاهد علي موت متصاعد من دون ان ترف عين للقتلة، فياللصعوبة، كيف تسني له ذلك! سعيد المولود في العراق عام 1939 والبعيد عنه أكثر من ثلاثين عاماً، كشف في رواية "الشاحنة" التي صدرت قبل اسابيع ان للرماد أجنحة وان الغربان ترتدي اليوم ربطات العنق وتتجول في "المنطقة الخضراء" كي تدخل التاريخ!

 

الفهرست

 

 

ترجمة 'الدنيا في اعين الملائكة' الى الانكليزية

لندن - منحت جامعة سيراكيوز بولاية اركنسو الاميركية جائزتها للترجمة لرواية الكاتب العراقي محمود سعيد "الدنيا في أعين الملائكة".

وستنشر الرواية التي تتناول اجواء مدينة الموصل في خمسينيات القرن الماضي باللغة الانكليزية قريباً، بترجمة ألين سالتر.

وعبر الروائي سعيد عن سعادته بالجائزة بالرغم من أنها ستذهب لغيره (المترجم ألين سالتر).

اقرأ المقال كاملا

 

الفهرست

 

 

Mahmoud Saeed 

 
Mahmoud Saeed, a prominent Iraqi novelist, has written more than 20 novels and short story collections, including Port Said and Other Stories, his first collection of short stories, which was published in 1957.
 
Even before this collection was published, one of Saeed's short stories was awarded a prize by the newspaper The Youth of Iraq in 1956. The first military-Baathist Iraqi government seized two of his novels in 1963, one of which was a manuscript in the possession of the Iraqi Writers' Union. The Iraqi authorities also destroyed another of Saeed's novels, An Old Question, which was ready for publication.

-

محمود سعيد

روائي عراقي نشر أكثر من عشرين رواية ومجموعة قصصية.
نشر العديد من القصص ومئات المقالات في مجلات:الآداب -بيروت. الحياة- لندن. القدس العربي -لندن. الخليج- الشارقة. البيان-دبي. المنتدى-دبي. الاتحاد-أبو ظبي. لوتس- تونس. الموقف الأدبي- دمشق. المدى- دمشق. الثقافة الجديدة- دمشق. أخبار الأدب- القاهرة. الجديد- لوس انجلس. الإغتراب - لندن. مجلة القصة "لندن". مجلة الرافد- الشارقة. بانيبال- لندن.
ترجمت مجلة الجديد في لوس انجلس سبع مقالات إلى الإنكليزية
WWW.ALJADID.COM
و له أربع قصص قصيرة على موقع أمازون
WWW.AMAZON.COM


لديه خمس روايات جاهزة للطبع وفقد أربع روايات لعدم الاستقرار في العراق.
يقول عنه عبد الفتاح صبري - روائي مصري و محرر مجلة الرافد بالشارقة:


"
محمود سعيد كاتب عراقي يرحل في إثره الوطن أينما حلّ على أرصفة الغربة.
 

اقرأ المقال كاملا

الفهرست

 

 

The contemporary Arabic novel.

by Claudia Roth Pierpont

The New Yorker

January 30th, 2010

 

Mahmoud Saeed’s “Saddam City” (translated by Ahmad Sadri; Saqi Books; $12.95) was written in the early nineteen-eighties, soon after the author was released from the last of six terms of incarceration under Saddam Hussein. Saeed left Iraq in 1985, and managed to publish his book in Syria, albeit with two chapters destroyed, in the mid-nineties. Since 1999, he has lived in the United States, and for the past few years has taught Arabic literature and calligraphy in Chicago. He is in his seventies now, with a substantial and award-winning body of work in Arabic behind him. “Saddam City,” published at last in English in 2004, is based on what he saw in jail—the original Arabic title is literally “I Am the One Who Saw”—which he recorded, he says, “so that it would remain for future generations.”

Read more: http://www.newyorker.com/arts/critics/books/2010/01/18/100118crbo_books_pierpont?currentPage=all#ixzz0e6GwMzUm
 
Mahmoud Saeed’s “Saddam City” (translated by Ahmad Sadri; Saqi Books;

Read more: http://www.newyorker.com/arts/critics/books/2010/01/18/100118crbo_books_pierpont?currentPage=all#ixzz0e6H3uUFx
 

Mahmoud Saeed’s “Saddam City” (translated by Ahmad Sadri; Saqi Books; $12.95) was written in the early nineteen-eighties, soon after the author was released from the last of six terms of incarceration under Saddam Hussein. Saeed left Iraq in 1985, and managed to publish his book in Syria, albeit with two chapters destroyed, in the mid-nineties. Since 1999, he has lived in the United States, and for the past few years has taught Arabic literature and calligraphy in Chicago. He is in his seventies now, with a substantial and award-winning body of work in Arabic behind him. “Saddam City,” published at last in English in 2004, is based on what he saw in jail—the original Arabic title is literally “I Am the One Who Saw”—which he recorded, he says, “so that it would remain for future generations.”

For all the horror it details, this is a startlingly warm and humane book. Saeed, despite the incitements of his subject, does not aspire to the Kafkaesque—Kafka, it must be admitted, is among the most impossible of authors to emulate, along with García Márquez—but maintains a specificity of place and history (this happened in Basra, that happened in Mosul) and of the individuals who inhabit them. Set mostly in the run-up to the Iran-Iraq War, in the late nineteen-seventies, this slender novel tells of a mild-mannered Basra schoolteacher who, although cautiously apolitical, is whisked off one day for “a simple interrogation.” His subsequent experience in six levels of hell—six prisons in all—is exactingly described, but the long ordeal is mitigated, both for him and for the reader, by a dose of bitter humor, a share of personal good will, and the mutual trust that he discovers among the prisoners, a trust long since forfeited in the larger prison of the informer-ridden society outside.

Saeed’s style is plain and direct, without literary pretensions, but with a tone of emotional delicacy that is as odd in the circumstances as it is touching: treated with courtesy by a single officer, after much cruelty, the prisoner refrains from asking questions about his arrest, because “I did not want to appear to be exploiting his kindness.” Some references to unfamiliar figures and events benefit from the book’s tidy footnotes. And although Sadri’s rendering begins stiffly, it soon becomes rhythmically fluent, and one’s sense of reading a translation fades away.

Resilience against all odds appears to be characteristic of Saeed: the same force rises to a point of madcap buoyancy in “The Soldier and the Pigs,” one of four Saeed stories available from Amazon.com, in uneven English, for forty-nine cents each. (A writer new to the country must try to make his work known any way he can.) In this riotously original little tale of a soldier’s plight among not only pigs but many, many frogs, also set during the Iran-Iraq War, we catch another glimpse of a writer with the power to translate foreign histories into stories that we can make our own.

Click to read the full article.

الفهرست

 

مجلة نيويوركر تتناول تجربة الروائي العراقي محمود سعيد
قريباً من ماركيز بعيداً عن كافكا

كلوديا روث بييربونت
ترجمة: بشار عبدالله
جريدة الزمان 4-2-2010  


تناولت مجلة نيويوركر الأمريكية في عددها الصادر يوم 12 كانون الثاني 2010 وبقلم الصحافية كلوديا روث بييربونت رواية الكاتب العراقي المغترب محمود سعيد الموسومة (مدينة صدام) ضمن مقال طويل حمل عنوان ( ما وجدته في أعمال مترجمة- الرواية العربية المعاصرة)، وهو مقال تناولت فيه روايات مهمة مثل (عمارة يعقوبيان) للروائي علاء الاسواني واعمال روائية ترصد حياة المرأة السعودية ضمن الطبقة الارستقراطية، فضلا عن تأشيرها للامبالاة الغربية بقولها: ( لدينا تاريخ طويل من اللامبالاة جعل من الصعب علينا، علي مر السنين، أن نكون علي مقربة من قصص تتحدث عن الحياة العربية التي لا تنطوي علي الجن أو المصابيح السحرية. صحيح، أن الرواية ظاهرة حديثة نسبيا في الأدب العربي؛ ..... ولكن بعد ان حاز الروائي المصري نجيب محفوظ علي جائزة نوبل، في العام 1988، كان هناك اهتمام كبير فوجد محفوظ لنفسه في النهاية ناشرا اميركيا، إلا أن عبء نقل الكتب العربية إلي قراء الانكليزية ما يزال يقع أساسا علي المترجمين المتمرسين. (الزمان) اجتزأت من المقال ما يخص الروائي العراقي محمود سعيد.
كان الاحتلال الأمريكي وما يزال موضوع عدد من الأفلام الوثائقية، والكثير من الافلام الوثائقية كانت حول العراق أكثر منها حول أي نزاع في مناطق أخري، وذلك بفضل خفة الوزن وانخفاض تكلفة كاميرات الفيديو، ولكن العناية والتأمل اللازمين لأي رواية ( ناهيك عن دور النشر والمكتبات) تبدو في معظمها سهلة المنال بين الدول الاعضاء في الشتات العراقي، الذي يتمتع بحرية في الخارج لنشر أعمال كثيرا ما كانت تعتمل أحداثها في وجدان كتابها لسنوات طويلة.
محمود سعيد في روايته "مدينة صدام" (ترجمة أحمد صادري؛ دار الساقي ؛ 12.95 دولارا) التي كتبها في بداية ثمانينات القرن العشرين، بعد وقت قصير من أطلاق سراح المؤلف بعد سجنه في عهد صدام حسين. غادر سعيد العراق في العام 1985، ونجح في نشر كتابه في سوريا، وإن كان ذلك قد اضطره إلي تدمير فصلين من الرواية، وذلك في منتصف التسعينات. ومنذ العام 1999، وهو يعيش في الولايات المتحدة، وعمل علي مدي السنوات القليلة الماضية تدريسيا لمادة الأدب العربي والخط العربي في شيكاغو. وهو الآن في السبعين من العمر، يتكئ علي اعمال باللغة العربية مشفوعة بجوائز كبري. رواية "مدينة صدام"، التي أمكن نشرها أخيرا باللغة الانكليزية في العام 2004، تتأسس علي مشاهداته في السجن- والعنوان الأصلي للرواية باللغة العربية هو حرفيا "أنا الذي رأي" وفيها يقول، " لكي تبقي من اجل الأجيال المقبلة ".
وبصرف النظر عن الرعب الذي تفصله هذه الرواية، نجدها تبقي رواية دافئة وانسانية علي نحو مثير للدهشة. كما ان سعيد، علي الرغم من التحريضات التي ينطوي عليها موضوعه، لا يطمح إلي أن يكون كافكويا نسبة لكافكا، وعلينا الاعتراف هنا، أن سعيد واحد من بين أكثر الكتاب الذين يصعب محاكاتهم، جنبا إلي جنب مع غارسيا ماركيز، ولكنه يحافظ علي خصوصية المكان والتاريخ (حدث هذا في البصرة، وحدث ذلك في الموصل)، وينسحب عنده الحفاظ علي الخصوصية أيضا إلي الأفراد الذين يقطنون تلك ألمكنة وتلك التواريخ. إن هذه الرواية التي تدور أحداثها في الفترة التي سبقت الحرب العراقية الإيرانية، وتحديدا في أواخر السبعينات، تتحدث عن مدرس دمث الاخلاق في البصرة والذي، بالرغم من حذره السياسي، يصار الي نقله ذات يوم من اجل "استجواب بسيط". وتكون تجربته اللاحقة في ستة مستويات من الجحيم- ستة سجون يجري وصفها بدقة، ولكن سعيد يخفف من معاناته الطويلة، من أجله ومن أجل القارئ علي حد سواء، ويفعل ذلك من خلال جرعة من فكاهة مريرة، ونصيب من إرادة شخصية خيرة، كما ان الثقة المتبادلة التي يكتشفها بين السجناء، كانت منذ زمن طويل قد فقدها السجن الكبير ممثلا بالمجتمع السابق الذي يتنفس خارج قضبان السجن.
إن أسلوب سعيد سهل ومباشر، لا ينطوي علي مزاعم وادعاءات أدبية، ولكنه ينطوي علي نبرة من الحساسية العاطفية التي هي علي نحو غريب عن الظروف التي تلمسها: تعالج بلطف من ضابط، بعد كثير من القسوة، ويمتنع سجين من طرح الأسئلة حول عملية القبض عليه، والسبب هو انني "لم أكن أريد أن ابدو مستغلا لطيبته." كما تفيد بعض الإشارات إلي شخصيات غير مألوفة، وأحداث في الكتاب من حواش أنيقة. وعلي الرغم من أن ترجمة صادري تبدأ بتكلف، فإنه سرعان ما ينجذب إلي سلاسة إيقاعية، فيلاشي مع القراءة احساس القارئ بانه يقرأ مادة مترجمة.
وتبدو المرونة في مواجهة كل الصعاب سمة من سمات سعيد: فنفس القوة تتصاعد الي نقطة طفو مجنون في "الجندي والخنازير"، وهي واحدة من أربع قصص لسعيد متاحة علي موقع الأمزون بلغة انكليزية متفاوتة الجودة، وبسعر تسعة واربعين سنتا لكل قصة. (إن علي أي كاتب في بلد غريب أن يسعي من أجل جعل أعماله ذائعة بأي حال من الأحوال وبقدر مستطاعه.) وفي هذه الحكاية الصغيرة القائمة علي الشغب وعن جندي في محنة ليس بوجوده بين خنازير فحسب، بل والعديد العديد من الضفادع، وهي حكاية تدور أحداثها أيضا خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث نلمح كاتبا له القدرة علي ترجمة الأحداث التاريخية الأجنبية إلي قصص يمكننا أن نقبلها علي أنها نابعة منا.

كلوديا روث بييربونت: أستاذة الصحافة الإبداعية في جامعتي نيويورك و كولومبيا. حاصلة علي شهادة دكتوراه في تاريخ الفن الايطالي في عصر النهضة. وكاتبة معتمدة في مجلة نيويوركر.

المصدر: جريدة الزمان

الفهرست

 

 

 

 

رواية الأسر


محمود سعيد

كتبت عشرات الروايات بأقلام العراقيين عن الحرب العراقية الإيرانية، وأهوالها، لكن القليل من تلكم الروايات حظيت باهتمام النقاد الجادّين، وربما كان للإعلام الرسمي العراقي الدور الأكبر في التعتيم علي ذلك الأدب آنذاك، لتقريبه نفر من الكتاب معروفين بالتذبذب والنفاق والتلوّن والانتهازية، كتبوا وتسلموا المكافآت ونسوا الأمر كله، وهم الآن خارج وداخل العراق، بعيدون كل البعد عنه، وعن مشاكله، فإن كتبوا شيئاً جديداً كتبوه ليرضوا نفسياتهم المشوّهة الوضيعة الحائرة بين مدح الحكام الجدد، أو سبّ من مدحوه البارحة, وكما يحدث في عالم الاقتصاد إذ تقضي العملة الرديئة علي العملة الأصيلة، حدث للرواية العراقية التي عنيت بالحرب ومآسيها، حتي إذ طوي الزمن تلك الحرب بجراحاتها وآلامها طوي معها ما كُتب من أدب جيد، فضاع (اليابس والأخضر). ثم تطورت الأمور نحو الأسوأ بكارثة احتلال العراق، وسيطرة نخب الرذيلة والفساد والانحطاط والجريمة علي كل شيء بما فيه الحياة الأدبية.
علي أن أكبر ضحية للأدب العراقي قدّمت إلي مذابح العدم كانت رواية الأسر، فكلنا يعلم أن هناك أكثر مئة ألف عراقي وقعوا في الأسر، لكننا لا نعلم أن في هذا الكم الكبير من الأسري كتاباً ممتازين، كتبوا روايات فنية جيدة، لسبب ساذج يتلخص بوجود تعتيم مركّز علي مثل هؤلاء الأدباء وأدبهم، قبل وبعد الاحتلال لذا لم تُثر أيّ رواية أسر اهتمام ناقد أو كاتب أو دارس، ونتيجة لذلك الإهمال المهين والغبي لم تشتهر أيّ رواية من هذا الجنس المهم.
لكل هذا كان صدور كتاب الدكتور علي عزيز العبيدي (الرواية العربية في البيئة المغلقة. رواية الأسر العراقية، أنموذجاً.) نوعاً من إعادة الحق إلي نصابه كما يقول الأقدمون، أو إزالة الغبار عن أثر حيّ أريد له أن يموت. اهتم المشرعون في جميع أنحاء العالم بوضع قوانين وتوصيات وقرارات لحماية الأسير ورعايته وتوفير ظروف طبيعية لإقامته وتوفير الغذاء والدواء له، وإتاحة الفرصة له لقراءة الصحف المحلية، والكتب الأدبية والعلمية، (لأن الجندي الأسير فقد قابليته علي الإيذاء، وقدرته علي القتال، لذا انتهت ذريعة الاقتصاص منه إنسانياً وأخلاقياً ص23) لكن، هل طبقت تلك المبادئ علي الأسري العراقيين؟
حُشر الأسري العراقيون في زنزنات ضيّقة، خالية من نوافذ للتهوية (خصص لكل أسير شبرين وبضعة أصابع فقط) في مناطق صحراوية (صحاري الموت - معسكر أرك مخصوص) أو مناطق جبلية (ثلاجات الموت - معسكر رينا. ص 40) وتمّ عزل بعضهم عن بعضهم، وتصنيفهم فئات حسب أديانهم، ومذاهبهم، وقومياتهم، وقبائلهم الخ، ومنع اتصال أيّ فئة بأخري، وحرموا من الرعاية الصحية، وقدم لهم غذاء فاسد، وأجبروا علي شرب بولهم، أو ماء ملوثاً كان من نتائجه إصابة الكثير بـ ( مرض الإسهال الدموي: (الأميبا والشكلا ص 45) مما أدّي إلي موت العشرات: (محمد عليوي، رجب ظاهر البدري الخ، ص 320) وعرّضوا للتحقيق المستمر المدمّر لنفسياتهم، من ضرب وإهانة وأجبروا علي التعري في جوّ بارد متدنٍ درجة حرارته تحت الصفر، ودفنوا في الثلج، وعزلوا في زنزانات حديد محرقة في الصيف، وعذبوا باستعمال العصا الكهربية. لكن أقسي ما عوملوا به من وحشية كان: 1- لجوء السلطات المهيمنة علي معسكرات الأسر إلي التشهير والاغتصاب مما دفع بعض الأسري علي الانتحار (سمير السراج) و2- تغطيس الرأس بالمرافق الصحية حتي الموت. 3- فسخ الأسير بربطه بين سيارتين. 4- قتل الأسير بضربه علي المناطق الحساسة (نصيف حمد حسن). 5- تعرية السجين كليّة في مناطق جبلية باردة ليقضي الأسير نحبه بعذاب لا يوصف (نعيم فليح). 6- الرمي بالرصاص الحي (عبد القادر مجيد إبراهيم وبحر شاوي شذر مع ثلاثة عشر آخرين) 7- تثليج الأسير حتي التجميد ثم إجلاسه علي مدفأة نفطية تقضي عليه بعد دقائق ( عبد الله إمام) الخ.
ولعلّ أهم سؤال يدور في ذهن الإنسان الغر: لماذا يعذبّ الأسير؟ من حق المنتصر المسيطر علي الأسري أن يأخذ معلومات عامة عن الأسير كالرتبة، موقع الأسر، العمر، المنشأ، لكن ليس من حقّه حسب القانون الدولي أن يسأله عن مذهبه أو دينه أو قوميته أو أي شيء خاص به، كما ليس من حقه الطلب منه أن يتجسس علي رفاقه، أو التعهد للعمل ضد وطنه، أو الرضوخ لتغيير معتقده السياسي أو الديني، وقد التزمت دول كثيرة في الحرب العالمية الثانية وما بعدها بهذه المبادئ، لكن دولاً أخري لم تلتزم بها كإيران، ولعل ما يأتي دليل لا يقبل الشك علي سوء معاملة الأسير العراقي هناك.
يكشف هذه المعاملة الشائنة السيد خامنئي في إحدي خطبه (11.2. 83): مازال نفر من الأسري العراقيين يقاتلوننا بنفس الروح العدوانية التي كانوا يقاتلوننا بها في جبهات القتال، وقد أعددنا البرامج الكفيلة بترويضهم) وفي هذه الخطبة لا يشرح السيد خامنئي كيف يقاتل أسير أعزل من يأسره،
وهو لا يتوافر علي أي سلاح بينما يمتلك الآسر كل أنواع الأسلحة والنفوذ والسيطرة؟ وما هي الشراسة التي يتمتع بها أسير في قتاله وهو أعزل ضعيف جائع يعيش في أقسي حالة من الذل والهون والتعذيب؟
ماذا فعل هؤلاء المساكين العزل لكي يضع السيد خامنئي وحكومته برامج معدّة بعناية ودراسة ليستطيعوا بوساطتها ترويض الأسري؟
إذن فهناك خططاً غير مكشوفة لنا نحن الذين لم نتعرض إلي مثل هذه الإهانات المزرية، ولا نعرف أي شيء عن أسرانا، فيما كان اتحاد الأدباء عندنا وأجهزة إعلامنا وديناصوراتنا الأدبية المنفوخة بالهواء والهراء لاهية بتأليه رموز سطحية قادها حمقها إلي هدم الهيكل مع من فيه، وأوصل العراق والعراقيين إلي أسوأ حالة متواجدة في الكون كله.
إن هذه الظروف السيئة القاهرة هي الجوّ المثالي للروائي، ولابد أن يظهر وينبغ من بين أكثر من مئة ألف أسير عشرات يجيدون كتابة الرواية، وقد فعلوا فأين كتاباتهم؟ ومن سلط الضوء عليها؟ ومن حلّلها؟ ونقدها؟ أتختفي هذه الكتابة وتختفي معها آلام وأحزان ومعاناة هذا العدد الهائل من مواطنين أبرياء كانت جريمتهم الوحيدة أنهم سقطوا أسري في يد قويً وحشية متخلفة لم ترحمهم، ولم تراعِ أي قانون أرضي أو سماوي في معاملتهم! أما كان الأجدر بالسيد خامنئي أن يستعرض العشرات من أحاديث الرسول التي تحثّ علي معاملة الأسري بشكل حسن؟ وهو رجل الدين الأعلي منصباً في إيران؟
وفي معطي تتبع رواية الأسر نري: 1- بروز أدباء لم يعرفوا من قبل وما زالوا. 2- أنهم أنجزوا كتابة عشرات الروايات. 3- أنهم لم يعطوا حقهم ثالثا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نتناسي كتابتهم الآن؟
يذكر الدكتور عليّ أسماء الكثير من الروايات، منها علي سبيل المثال: إبراهيم الزيبق. عناوين في الذاكرة: محمود كاظم التميمي. شهداء بلا أكفان. علي عزيز العبيدي الخ.
في الكتاب المذكور حوادث مهمة ورائعة وملحمية حدثت في الأسر وتصلح أن تكون روايات خالدة، فحسبما يذكر الدكتور عليّ: إن كثيراً من الأسري قاموا بمحاولات هروب أذهلت "السافاك" أنفسهم، بسبب طبيعة التخطيط المتقن الذي خطط لها، والطرق والمسالك التي اختارها منفذو العمليات، والتي ادهشت الإيرانيين، لأنهم لا يملكون دراية بمواقع تلك الطرق في بلادهم، بحيث وصل بعض الأسري إلي حدود الاتحاد السوفياتي، وقطعوا الجبال والوديان، وهم لا يجيدون الفارسية، فهل استثمر أحدّ هذه الموضعات في رواية غير كتاب الأسر؟ (ص 368)، في وقت مازال الكتاب اليهود إلي حدّ الآن يكتبون عن أوضاعهم في الأسر أثناء الحرب الكونية الثانية.
إن هذا السفر الرائع عن أدب الأسر جهد هائل متميّز لكاتب عاني من قسوة ومرارة وذل الأسر في بيئة عدائية وغير إنسانية لأكثر من عشرين سنة، ونجا من أسره بأعجوبة وبعد عودته إلي الوطن كتب رواية عن الأسر ثم ثناها بهذا الكتاب ليساعدنا علي كشف مرارة آلام وأحزان ومعاناة الكائن العراقي الذي ابتلي بحروب ومآسي لا يد له فيها طيلة عقود، فعسي أن يلقي الكتاب ما يستحق من اهتمام والعراق الآن يرزح تحت ثاني أسوأ احتلال له في تاريخ جلجلته المضنية ومأساته الفظيعة ونكبته التي لا مثيل لها في العصر الحديث بين أمم الأرض.

 

الفهرست

 

 

افتراضي بنات يعقوب: للروائي محمود سعيد

مقالة في النقد الادبي لرواية" بنات يعقوب" ، للروائي المبدع محمود سعيد
نشرت بجريدة الزمان اللندنية بتاريخ 23/ 12 / 2008 ، ص : 11

محمود سعيد: العائد من بابل على صهوة روايته "بنات يعقوب"
د . موسى الحسيني
Mzalhussaini@btinternet.com

لا اتذكر متى بدات علاقتي بالقصة تتفكك ، بعد ان كنت نهما في قرائتها ، خاصة ما هو مترجم منها، عندما تم قبولي في قسم علم النفس في كلية الاداب في الجامعة المسنصرية عام 1974-1975 ، بعد خروجي من الجيش وما فرضته متطلبات ومشاغل الحياة اليومية بوضعي الجديد ، والتزامات القراءة التي تلزمنا بها المناهج الدراسية ، تدخلت رويدا رويدا لتقطع اوصال العلاقة بيننا .
بعد الحرب العدوانية الاولى على العراق في عام 1991 ، لاحظت التفكك الاخلاقي الذي اصاب العرب والمثقفين منهم خاصة كنت ابحث عن سبب يمكن ان يقنعني كتفسير منطقي للظاهرة ، وتذكرت يوما وصفا لبيئة دوستوفسكي قدمه الكاتب والاديب النمساوي ستيفان تسفايج ، وهو يحاول ان يستقرئ شخصيات دوستوفسكي ليصل الى وصف حالة المجتمع الروسي في ايام دوستوفسكي : بانه مجتمع تخلى عن قيمه القديمة قبل ان يؤسس له منظومة قيم جديدة ، او كما وصفه ، كمن هدم كوخة القديم البالي قيل ان يبني بيتا جديدا ، فظل يعيش في العراء . عندها هرعت لدوستوفسكي باحثا عن تفسير لهذا الاضطراب في الشخصية العربية .فالظروف السياسية والاجتماعية في الوطن العربي ،كانت قريبة من ذاك الوصف الذي قال به تسفايج . مازلت مداوما على قراءة دوستوفسكي ، ولوبشكل متقطع ، بين الحين والاخر . هذا كل ما بقي من علاقتي بالقصة .

ما اريد قوله من هذه المقدمة اني لست ناقداً ادبياً ، ولا امتلك من ادوات النقد ، لاملكة الناقد ، ولا المعرفة بمدارسه او اساليبه للحكم على جمالية الصورة الفنية في هذا العمل الروائي او ذاك .ولم يبق في الذاكرة مما كتبه تسفايج او محمد مندور غير نتف من افكار لاتؤهلني لكتابة نقد لرواية من الجمال وعمق الرؤى والافكار كتلك الرواية الرائعة " بنات يعقوب " التي كتبها الروائي العراقي " محمود سعيد ." .
عندما وصلتني قصة " بنات يعقوب " للروائي العراقي محمود سعيد ، تضايقت ، كثيرا من وصولها وهي بهذا الحجم . وانا ملزم بقرائتها ، خوفاً من ان يسالني الكاتب عن انطباعي عنها .وكانت ورطة ، فمن الصفحة الاولى وجدتني التصق بالرواية ابحث عن اي فرصة لمتابعة القراءة ، وعندما لااجد هذه الفرصة خلال ساعات النهار ، اجد نفسي اني احاول ان اؤجل اي التزامات اخرى في الليل لاتفرغ لمتابعة قراءة القصة .
تبدا القصة بذكريات للكاتب عن موقع اثري مخفي عن الانظار في مكان ما في جبال حمرين ، شمال العراق ، في مكان ليس بعيدا عن مدينة الشرقاط ، استدعت حضوره بشكل ضاغط على ذاكرة الكاتب قصة لمعركة حقيقية حصلت في المنطقة بين مجموعة من الضباط العراقيين كانوا بمهمة خاصة ، وفصيلة من مشاة البحرية الاميركية المنقولة جوا .
كان لمشاهد البطولة التي لاتخلوا من الغرابة ، لضباط الجيش العراقي ، كما روتها مجلة نيوز تودي ، أن تتداخل مع الصور القديمة التي سبق ان تشكلت في مخيلة الكاتب ، تلك التي استمع لها ايام الطفولة ، ما اجج فضوله للسفر للعراق بحثا عن الموقع ،فاكتشف انه لم يتبق منه شئ بعد ان دمرت قنابل اليانكي ورعاة البقركل المعالم والاثار والكتابات التي صنعها ابن الرافدين خلال اكثر من الفي عام قبل ان يسمع الناس بمدينة اسمها واشنطن او نيويورك . هذه الهمجية البربرية ، لم تمنع الكاتب من ان يشبع فضوله عن معرفة هوية سكان هذا الموقع والاسباب التي دفعتهم لاختياره والعيش هناك مع انه موقع منزو يصعب الوصول اليه الا من خلال ممر ضيق لايسمح الا بمرور شخص واحد .حاول الكاتب على مايبدو ان يقرأ عن الفترات التاريخية المحتملة التي عاصرت نشوء الموقع وتشكله بتلك الصورة الجميلة ، وسواء استطاع ان يحدد من هم سكان هذا الموقع ولماذا لجؤا اليه او لم يتمكن فعليا ، فانه هندسه على شكل ساحة ليتدرب بها بنات يعقوب مع عشاقهن الذين تزوجن منهم فيما بعد ، على رمي السهام وركوب الخيل ، وسمى الموقع ب " الخلوة " التي افرد لها فصلا طويلا من بين فصول القصة .
إن السمات الحضارية للموقع ورواده من ابناء القرية المجاورة ، قرية حمور ، اعادا تشكيل التركيبة السايكولوجية ، وحفزا القيم والمشاعر الانسانية لبنات يعقوب ، الذين لم يعرفن من الحياة غير حياة الترحال الدائم والتنقل من مكان الى اخر بحثا عن الضحايا التي يمكن ان تشبع تعطش ابيهن واخوتهن للدماء .
فالنبي العبراني ، يعقوب هذا، بتخرصاته وهلاوسه التي جعلت منه نبيا لملك شيطاني يوحي له انه ما خلق الخلق وكل البشر ، الا ليتمتع يعقوب وابنائه من العبرانيين ، بسفك دمائهم . اله يعقوب ليس هو الله الذي نعرفه بل هو شيطان شرير ، لايرضى من عبدته ان يتقربوا اليه الا بدماء بقية خلقه الاخرين من غير العبرانيين . يخاطب روابين – الابن الاكبر ليعقوب - خنجره :" أعلم أنك أشتقت للدم ،لاتقلق حان الوقت ستشبع من الدماء....لاحياة من دون دماء ، دم القتيل يمنح القاتل قوة "( ص : 59 ) ليعكس بذلك ما مدفون باعماقه من مشاعر الاحساس بالضعف والخور والنقص الذي يعاني منه روابين ، صاحب الانف الضخم " كأنه صخرة معوجة التصقت تحت العينين كيفما اتفق " . الاحساس بالضعة هو ما يصور له القتل وكأنه أرتقاء على هذا الاحساس بالدونية .
لاتؤشر هذه الصورالى وجود ميول عنصرية متطرفة ضد العبرانيين عند الكاتب ، ترى ان التركيبة السيكولوجية للعبرانيين معجونة بالشر، بالعكس تشكلت هذه الشرورفي النفس العبرية ، واتخذت شكلها الشيطاني بفعل بعض الميول الاجرامية المرضية عند بعض انبيائهم ممن يعاني من حالات شيزوفرينيا ترافقها هلاوس وتخرصات ، اتخذت هذه الهلاوس عند العبراني العادي شكل النزوة او الميل السيكولوجي المميز بفعل تحولها الى معتقدات دينية اختلطت مع ما يعنيه الدين احيانا ومايتضمنه من خرافات واوهام تربط ،عادة ، بارادة الخالق .
. فموقف بعض ابناء وبنات يعقوب حيال التوجهات الشريرة لابيهم، يؤكد ان نفوسهم تختزن الكثير من الشحنات الانسانية الخيرة، والحية التي سرعان ما تُستفز الى حد اعلان تمردها على النوايا الخبيثة لابيهم يعقوب ، الذي لم يراع ما قدمته قرية حمور من كرم وحسن استقبال وضيافة لهذا البدوي القادم ، لبضعة ايام كما قال يعقوب ، ، وجعلها حمور مفتوحة الى حد الاستعداد لقبول يعقوب للمشاركة بعيش دائم، وما ينعمون به من خيرفي مراعيهم ومائهم ،والموقع المميز لقريتهم على مفترق طرق اهم عواصم العالم ومدنها ، في ذلك الوقت ، اذا رغب بالتخلي عن طريقة عيشه في التنقل الدائم والترحال ، حتى ان حمور لم يتردد في تزويج بنات يعقوب لاولاده الثلاث بامل ان يقوي عرى الصلة والقربة ، الا ان يعقوب الذي تظاهر بانه يبادله نفس الشعور ، اراد ان يستخدم كل هذه الطيبة من اجل ان يطمئن حمور الى سلامة نواياه ليتمكن من الغدربه وبابناء قريته الذين يريدهم يعقوب ان يكونوا قربانا لالهه الشرير .


ان اله يعقوب اباح كل شئ لاتباعه ، الجنس والغدر ،ليفرغوا الارض من بقية العباد ويستفردوا بها . حتى الزواج يمكن ان يكون بضاعة للغدر ، ووسيلة للوصول لتنفيذ الفعل الشرير ، يفسر يعقوب لابنه روابين اسباب قبوله تزوج بناته لمن يخطط لقتلهم "ثم ماذا ليتزوجن اسبوعا ، اسبوعين ، ما المانع ... سيبقين كما هن ، بعدئذ نزوجهن لذوينا زواجاً ابديا " ( ص : 90 )
.بعد ان يطمئن سكان القرية وشيخها حمور لهذا القادم المجهول ، يتمكن يعقوب و ستة من ابائه ان يذبحوا سكان القرية ، بمن فيهم ازواج بناته ، وهن نائمات باحضان الزوجية .
تنتهي الصفحة الاولى من الرواية بحدث القتل الجماعي هذا ، فتقرر بنات يعقوب الثلاثة الهرب الى بابل ، هروبا من هذه العائلة التي امتهنت الجريمة ديناً ، وللعيش عند قريب ازواجهن اللمينو نمو، الذي ذاعت شهرته كامهر مهندس في بابل ، ما اعطاه مكانة مميزة عند الملك نبوخذ نصر وزوجته ، فهو واحد من افراد الحلقة الخاصة في حاشية الملك .

لم تكن رحلة بنات يعقوب سهلة وهن يجتزن اليراري ، حتى تنكرهن بزي الرجال لم يخلصهن من المخاطر ، والعراك مع قطاع الطرق ، من بعض السجناء الهاربين . اجاد محمود سعيد استخدام ادواته الفنية لتصعيد غريزة التشوق والفضول عند القارئ ليتعرف كيف يمكن ان يصلن بنات يعقوب الى بابل . ، فالقارئ لايتوقف عن القراءة ، يظل يلهث متابعا مسيرة دينة وشمة حتى بعد فقدان بسمة ، تتملكه المخاوف عليهن من مفاجأة ، من قاطع طريق يختل وراء صخرة . ، او حيوان بري جائع
اركبني محمود سعيد ، لاادري ، او اني امتطيت على فرس من الرؤى والخيال والاحلام لاتابع معهن رحلتهن، من دون ان اشعر متمنيا لهن السلامة ، وكل مرة اهم ان اتدخل لمساعدتهن ، لاكتشف ان محمود سعيد كان من اللطف في حساب مشاعر قرائه فيخلصهن بانسيابية غيرمقصودة ومن دون ان يشعرك بتدخله لتغيير مجرى الحدث ، يحترم رغبات القارئ للحفاظ على سلامة البنات وبقائهن بعيدا عن الشر الذي هربن منه . حتى فقدان اصغرهن بسمة لايستوقف لاالكاتب ولا القارئ للشعور بالندم والالم عليها فتصاعد الاحداث يشد الجميع للالتصاق بتمني سلامة دينة وشمة .


يدرك الراوي محمود سعيد حجم التعب والارهاق الذي عانت منه بنات يعقوب في رحلتهن الشاقة الى بابل ، كما يدرك عبأ الارهاق الذي عاشه القارئ وهويتتبعهن في رحلتهن ، تتخذ احداث الرواية شكلها الهادئ بما يتناسب مع ما توفره المدن الحضارية الكبيرة من هدوء ، واشباع لمختلف حاجات ساكنها ، اضافة لتوفر الامن والطمانينة لمواطنيها . على ان هذه الانسيابية في السرد لاتلغي عاملي التشويق والرغبة في متابعة تفاصيل الحياة اليومية لبنات يعقوب - دينة وشمة - في حاضرة عصرها بابل . ولولا الاستحالة ، او لو كنت ممن يؤمن بتناسخ الارواح ، لأقسمت الف يمين من ان محمود سعيد الذي نراه روائيا من أبناء القرن الواحد والعشرين ما هو الا تجسيد لروح مواطن من مواطني بابل ، ولأخذته دليلا على أيماني هذا ، فهو يعرف بابل بشوارعها ، وأسواقها وأزقتها كانه أبنها ، من قضى طفولته وشبابه وكهولته بها ، فهو يصفها وصف من عاشها وعايش أزدهارها ، وطبيعة وعادات الحياة الاجتماعية السائدة فيها .
وصفه لطبيعة الحياة في بابل يجسد حضارتها بما قد لايتمكن أحسن المؤرخين المختصين بالعصر الاشوري من تقديم مثل هذا الوصف .
ظلت بابل تنعم بعزها وحضارتها ، وما يضفيه عقل ابنائها من أبداعات على حياتها اليومية ، مصدرا لحياة ناعمة هنيئة لعموم ابنائها ، كما لبنات يعقوب ، حتى وصلت أولى طلائع سبابيا العبرانيين اليها ، ليبدأ حقدهم ينخر هذه الحضارة من داخلها ، يتامر بعض السبابيا سراً مع قورش ملك الفرس ، يبعثون له أحلى نسائهم ليحفزوه للانتقام من بابل وملكها نبوخذ نصر . رغم ان نبوخذ نصر كان رحيما بهم فلم يقتلهم ويمضي السيف بهم كعادة المتحاربين حينذاك، التي تقضي بذبح السبايا والتخلص منهم او أستخدامهم كعبيد . الا ان رقي مشاعر واخلاق وحضارة اهل العراق من سومر حتى نبوخذ نصر والبابليين ارادت ان تعطيهم فرصة لاعادة تركيبتهم السايكولوجية لمسح صدأ الشرورالتي تراكمت عليها ، بفعل الهلاوس الشيزوفرينية لرجالات دينهم ، علها تعود لطبيعتها الانسانية الخيرة . ورغم ان بعض الاسرى استجاب فعلا لبيئة الخير الجديدة التي وفرها لهم البابليين ، كما حصل لبنات يعقوب الا ان دانيال المبتلى بمرض الخبث ، المنفصلة روحه عن طبيعتها الانسانية ، ظل يتامر بنشاط مع قورش . وبدأت بعض مظاهر الحقد المريض تظهر وتؤثر في الحياة البابليين اليومية .
فلا شك ان البلد تضعف ، وتبدأ حضارته وتقدمه بالتفكك من خلال اغتيال رجالاته المبدعين ، مفكريه ومهندسيه، فهم مصدر قوته ، ونهايتهم ستكون الخطوة الاولى لنهاية ذلك البلد كما خطط لذلك دانيال كبير الكهنة العبرانيين :
فيسقط كبير المهندسين الليمو نمو صريعا بفعل سهم مجهول يخترق نحره وهو جالس في جلسة تفكير واسترخاء في شرفة قصره ، المفتوحة . كأن الكاتب اراد تذكيرنا باستراتيجية قديمة ما زال العبريون يمارسونها في تعاونهم مع الفرس في اغتيال الخبراء والمهندسين العراقيين بعد الاحتلال .

ما الذي يريد ان يقوله محمود سعيد . هل اراد ان يقدم نفسه على انه قادر على ان يصنع ويركب صوراً جمالية ، حبا بالجمال لذاته فقط ، ليدخل المتعة واللذةعلى قلوب القراء . او انه اراد ان يوظف الجمال في خدمة معتقداته الاجتماعية والاخلاقية ليؤشر على استمرارية الحقد العبري على وادي الرافدين ، فهو حقد يتجدد كلما اراد شعبه ان ينهض ويتجاوز التخلف ويلحق او يشارك في بناء الحضارة والمدنية تتجسد روح الغدر والخيانة التي تبرر كل السلوكيات الساقطة الخبيثة عند العبرانيين للانتقام خوفاً من نبوخذ نصر أخر يمكن ان يتقدم من هذه الارض ليوقف سطوهم وسلبهم لارض عربية . كما استثمروا قوة قورش يمكنهم الان استغلال واستثمار همجية رعاة البقر ، لتدمير بغداد واثار بابل . وهل كان قورش بعيدا عما يجري الآن في بغداد وارض الرافدين من تخريب لايمكن فهمه وتبريره تحت اي معيار او قيمة اقتصادية او سياسية .او استراتيجية . ولايفسر الا بمضمون الحقد الذي التقى بمنتصفه اطماع قورش مع خبث دانيال وهمجية اليانكي من رعاة البقر . تلك هي على ما اعتقد الوظيفة الاخلاقية للرواية .
ان ذلك لايلغي أنسانية العبري ، المشبعة بالاخلاق بمفهومها الكلاسيكي عندما تتجرد من تخرصات وهلاوس الدين القائم على اوهام وخرافات ، لايدري الانسان هل هي السبب في تشكل عقدة الاضطهاد عندهم ، او انها كانت سببا لاضطهاد الاخرين لهم في فترات عاشوها من الزمن .فدينة وشمة ، واخويهما المتمردين جاد واشير ، كانوا عبرانيين ايضاً ،

قال محمود سعيد كل ذلك برمزية ، فيها الكثير من الصور الرومانسية ، تجسد الواقع وتصوره ، بلغة ادبية راقية ، منتقاة ، تقترب احيانا من لغة الشعر ، في رواية هي اقرب الى لوحة ضمت مجموعة من الصور، المتجانسة الاجزاء ، المتداخلة الابعاد والزوايا بحيث تكمل عناصر بعضها البعض . فهو يصور الواقع لاكخيال يجهد الكاتب نفسه ليضفي عليه شيئاً من سمات الواقع ، بل يبدو كراوي يوصف حدثاً كان قد عاشه او رأه ، بلغة وطريقة يشعر القارئ فيها ان الكاتب لايريد ان ينفرد برؤيته هذه ويعزل نفسه عن القارئ ، ليقول هذا ما رايته ،في وصف لامور غريبة او عجيبة مما لايسهل تصديقه، بل ينقل صوراً حياتية، او يصف حوادث يمكن ان تحدث فعلا ، فهو يشترك بها مع القارئ ، ويرسم بالكلمات صوراً طبيعية مقبولة تجسد حقائق يمكن ان يراها الانسان في حياته. فكما قلت من يدري قد يكون في رؤى اصحاب نظرية تجسيد الارواح ما يوحي ان روح محمود سعيد كانت قد عاشت الحدث او سمعت به قبل ان تتجسد بجسد كاتب الرواية الذي يعيش بيننا الان .
بعيداً عن المبالغة والاوهام لاشك ان الرواية تعكس جمالية وجدان الكاتب ، وعمق خبراته بالحياة .فوصفه ، مثلا ، لحركة الخيول خلال رحلة او هروب بنات يعقوب من اهلهن الى حين وصول بابل ، خاصة حركات الحصن وهن يعبرن الفرات ، لايمكن لكاتب ان يقدم هذا الوصف مالم يكن قد مر بتجربة مماثله او على الاقل راقب وراى تجارب مماثلة كثيرة. نفس الشئ يمكن ان يقال عن استخدامه للذباب في القصة عندما يريد ان يعطي الحدث واقعية ، اويحوله الى صورة ملموسة ، لايمكن ان يتوصل الكاتب لمثل هذا الاستخدام ما لم يكن قد نام فعلا على سطح المنزل في قرية متخلفة من قرى العراق ، او بعض أحياء المدنه الفقيرة .
لاشك ان الكاتب أجاد توظيف الخيال ليقدم لنا كل هذه المعاني بصور جميلة دون ان يثقل جمله او عبارات بالتزويق اللفظي أو الغريب من الكلمات .فهو يفصح عن افكاره وعواطفه ورؤاه بلغة جميلة لاتخلو من البساطة ، او مايوصف بلغة اهل الادب : بالسهل الممتنع . فهو يصف الشر والحقد والؤم ، الحب والرضاوالامل والعطاء والحب ، دون تكلف او غرابة ، ودون ان يؤشر صراحة بوصفه هذا ، معاني يدركها القارئ حتى بدون ان يقولها الكاتب ،ومن دون ان يحرم القارئ من الاحساس بالمتعة الراقية ، فهو يجيد فن استخدام التشويق ، كاتب تاريخ يمزج الخيال بالواقع ليعرف القارئ بروعة حضارة بابل ، دون شعور با لملل فهو يسجل الظواهر الاجتماعية من عادات واخلاق وحياة يومية السائدة في ذلك الزمن ، دياناتهم ومعتقداتهم ، دون ان يفوته نقد ما يخلقه الدين من صور مبهمة قد تبدو احيانا اطارات مناسبة ليغلف بها الانسان نزعاته الشريرة بنسبتها لارادة الخالق . ويُعبر بطريقة اقرب لما تمثلة الحيرة الوجودية عند الانسان ليفسر كيف يمكن ان تتداخل هذه الصور المبهمة مع التساؤلات التقليدية عن غموض الوجود ، فيغدوا الناتج او الحصيلة ايمان ، يضفي شعورا من الهدوء والسكينة على صاحبه ، فيتمسك بكل هذا المبهم والغامض الى حد الاستعداد لقتل الاخر لالزامه على قبول ما يراه حقاً ، رغبة في ان يظل المؤمن محافظاً على شعوره باليقين المصنع او المغلف بالوهم وخوفاً من العودة لقلق التفكير والتساؤل . الهروب بالمبهم والغامض الى السكينة ، هروباً من الخوف من ان يستثار العقل ثانية ، ليبدأ رحلته بالتفكير عن الاصل والمصير. فهو ليس ايمان مقتنع بل هو نتاج الاحساس بالضعف والخور ، بحثاً عن قوة خارقة يريد ان يسرقها المتدين من قدرات الخالق ليضفيها لنفسه ، هو هارب من الخوف . كان دين يعقوب وروابين ، نموذج لمثل هذا التدين الذي يجعل القتل فريضة واحساساً بالقوة .
لاتختص العبرانية بمثل هذا النوع من المتدينين ، وحدة التركيبة السيكولوجية للمتدينين ، لا جوهر الدين نفسه ، هي ما يجعل القتل دينا عندهم مع اختلاف منطلقاتهم .

 

الفهرست

 

مائدة العرب

 

ابن سيار الوراق

 

بقلم محمود سعيد

 

          الجاجيك: نذهب في طفولتنا، أيام العيد، لنأكل القص (الشاورما) ، مرتين في السنة فقط. عند الأرمني آكوب شاهين جاجيكيان، في مطعمه الصغير، الملاصق لسينما الحمراء في الموصل، ولا أعتقد أن من يأكل من تلك الشاورما ينسي طعمها. فبعد أن يضعها شاهين في الصحن، ينقعها بماء فلفل أخضر، فيه بهارات متميزة، قليلة الحرارة، ثم يأتي بكاسة صغيرة، فيها لبن وخيار وثوم وكرافس، لذيذ جداً، سألناه عن اسمه، قال جاجيك. ولما كان اسمه جاجيكيان، فقد أثار (ولابدّ) تساؤلاً عن الربط بينه وبين الجاجيك، كان يوضح دائماً: أحد أجدادي قبل مئات السنين اخترع الأكلة، ولذا فنحن نجيدها، وأسميناها جاجيك.

          مضي نحو نصف قرن على آخر كاسة جاجيك أكلتها في المطعم الصغير، وأنا مقتنع تمام الاقتناع أن الاسم ارمني، يعود الى عائلة صاحب الشاورما اللذيذة، لا بل أروي لمن يسامرني إن كان هناك جاجيك قصة الاسم حتى وقع بيدي، قبل أشهر، كتاب الطبيخ لابن سيار الوراق، ففوجئت أن العراقيين كانوا يعدون الجاجيك منذ أكثر من ألف ومئتي سنة، ويسمونه جاجق. كانوا يتأنون، ويتفنون في إعداده، لأنهم يعيشون في عصر مستقر، هادئ، يخلو من المليشيات، ولعنات الله، والهرولة والركض وراء الدولار، فجاجيكهم، أطيب طعماً ونكهة ورائحة من جاجيكنا، لأنهم يصنعونه على مهل، ويضيفون الىه ما لم نضف. وكان أول شروطهم له أن يكون الإناء مطيّباً، أي ذي رائحة زكية، وهذا ما لا نفعله الىوم، وكانوا يضعون فيه كل شيء نضعه الآن، إلا أنهم يزيدون عليه بصلا، ونعنعاً، وطرخوناً، وسذاباً، وقثاءً، وأصول الخس المقشر، والحرسف، واللوز الرخص "الأخضر". وبعض هذه المواد الغذائية أشياء لا نعرفها في عصر السرعة، لأنها غريبة على مسامعنا، ونظرنا.

          إن كثرة هذه المواد وتجمعها في طبق واحد لابد أن تعطي مذاقاً متميزاً، ولابد أن تعدّ وجبة غذائية كاملة، طبيعية، لا للتمزز، كما اعتدنا (نحن العراقيين) على تناولها مع (المشروبات الكحولية).

          كتاب عشر السنين.

          يرِد الجاجق الذي انتحله صناعة واسماً لعائلته، آكوب، صاحب المطعم الطيب الذي ضحك على عقولنا ونحن أطفال، مع مئات الوجبات الأخرى في كتاب الطبيخ لابن سيار الوراق. المكتوب قبل أكثر من ألف سنة، ومن يتصفح شيئاً من التراث العربي العراقي في العهد العباسي، يري العشرات، ولا أبالغ أنها كانت آلاف، لكنها اختفت، كما اختفي غيرها، فحقد الغزاة على هذا الشعب، بدأ من فجر الحضارة، واستمر الى حد الآن. وربما كان دجلة هو الأسعد حظاً منا جميعاً، لأنه ضم في جوانحه مليارات الكتب.

متاعب أجدادنا في الطبخ

          حقق كتاب الطبيخ ابن سيار عالمان فلنديان، وثالث عربي اختار الجنسية الفلندية: توفي أحدهم (يوسي آرو) وبقي إثنان: (كاي أورنبري، وسحبان مروه) وحسبما جاء في المقدمة أنهم أمضوا نحو عقد من الزمان يحققون فيه، على فترات غير مستمرة، وأنهم لأمانتهم العلمية، أبقوا الألفاظ العامية كما هي. مع مقابلتها بالفصحي الآن. ومن يقرأ الكتاب يذهل لكثرة الأخطاء، مما يجعله يقرر حالاً أنه نسخة كتبت في عصور متأخرة عن الكتاب الأصلي، إذ أن القرن التاسع الميلادي، وهو الوقت الافتراضي لتاليف الكتاب، كان عصر ازدهار لغوي، وفصاحة متميزة.

          ترجمت السيدة نوال نصر الله الكتاب الى اللغة الإنكليزية، بطبعة جميلة مصورة، وكانت هي السبب في حصولي على نسخة مهداة من السيد كاي أورنبري، وهذا يدفعني الى الإشادة بجهود وكرم وطيبة الجميع.

          حفّزني هذا الكتاب على مقارنة ما كان أهلنا يعدّونه من أطايب الطعام في ذلك العصر، مع ما كانت تعده الشعوب الأخرى آنذاك، ففي الوقت الذي يصف كتاب ابن الوراق آلاف الطبخات المعقدة، اللذيذة منها سبعة أنواع من الخبز، لم يكن يعرف العالم كله سوى نوع واحد من الخبز، حتى المدن غير العربية القريبة من بغداد كأصبهان، لم تكن تتوافر موائدها إلا على بصل وثوم وباذنجان، وقثاء وزعرور من دون طبخ، أو معالجة مع خبز (عادي)، وذلك كما ورد في المقامة البغدادية وهي تصف رحلة بغدادي الى أصفهان، (عاصمة فارس في القرن الرابع الهجري) إذ يقارن الكتاب بين ما هو موجود في العاصمتين. فلا يمكن لأي كان أن يماري أن تنوع المائدة دليل على رقي ذوق وموارد وحياة وحضارة الشعوب

          من يقرأ كتب الطبخ العباسية يجد أن عملية الطبخ عندهم تستند على أساس علمي لا علاقة له بعشوائية الطباخين وتذوقهم ورغبتهم في الحصول على أعلى مردود من المأكولات كما يجري الآن، بغض النظر عما ستجرّ تلك الوجبات على من يأكلها، من سوء هضم وزيادة في الشحوم، وأذىً على أجهزة الجسم كالقلب والكبد والمعدة الخ، فالمبدأ الجاري الآن وبخاصة في أميركا هو الوجبة اللذيذة حتى لو جأءت بأفدح النتائج.  فمن يعش في هذه الدول، لا يعرف ماذا يجرّ عليه تناول الهمبركر، والهوت دوك، والبيتزا، والستيك الخ من أمراض، وما تسببه من مضاعفات في جسمه، وشراينه، وقلبه، فقد رأيت في مدينة أمريكية واحدة (شيكاغو) في خلال أسبوع واحد، من البدينيين والبدينيات، والشرهين والشرهات، والسمينين والسمينات مئة ضعف ما رأيت طيلة 60 سنة في مختلف أنحاء العالم، ولا يمكن أن يحدث ذلك مصادفة قط، بل بروز هذه الظاهرة دليل على أن هناك خطأً ما في الطبخ الأمريكي وغيره. ولذا فإن قراءة أي كتاب طبخ عباسي يجعلك تدرك الفرق، فآنذاك يتواجد شيء لا يستطيع الفرد العادي الأمريكي تشخيصه قط، وهو العلاقة بين الطب والطبخ.

الطب والطبخ:

          العلاقة بين الطبخ والطب، جاءت من حرص أجدادنا على تناول، وطبخ ما يصفه الأطباء، فقد اعتبر المجتمع الطبخ مهنة راقية شريفة، لأن الأطباء كانوا يمارسونها، وأن أهم الطبخات صدرت عن أطباء معروفون بطول الباع. فعندما يوصي الطبيب بطبخة معينة، يعني أنه جرّبها ووثق من قيمتها، لذا فهو يشير الى فوائدها، وتأثيرها على من يتناولها، وكيف تزيل بعض الأمراض، وكيف تداوي بعض الآلام. وهذا ما دفع مثقفاً بريطانياً معاصراً، د. ديفيد وينز، (بروفسيور في جامعة أوكسفورد. بريطانيا) الى إعداد 40 طبخة عربية عراقية عباسية، كما وردت في أحد كتب الطبخ الذي ألفه الشاعر المرموق (كشاجم)، وصورها ونشرها في كتاب. ومن يتتبع الكتب التي ألفت في هذا المجال يقرأ عن مئات كتب الطبخ العربية العراقية العباسية، منها كتاب مشهور جداً هو (مناهج الدكان فيما يستعمله الإنسان، من منافع الأغذية ودفع مضارها، للطبيب البغدادي المشهور ابن جزلة، المتوفي سنة 493 هجرية).

          ومن يقرأ أيضاً كتاب ابن سيار الوراق هذا:(الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات، وطيب الأطعمة المصنوعات، مما استخرج من كتب الطب وألفاظ الطهاة، وأهل اللب.) يجد الى جانب وصف الطبخة فوائدها الصحية، وتأثيرها على البدن، وماذا تجنب من آلام. إن هذه النظرة العلمية المزاوِجة بين إعداد الطعام والوصايا الطبية لا توجد الآن في أرقى دول العالم، كالولايات المتحدة كما أشرنا فيما سبق ولا في أوربا أيضاً.

          ما ضرّ الأجهزة الطبية، والأطباء، والهيئات الطبية وكل من يسعي لخير المواطن في أمريكا وأوربا أن يبين أخطار هذه المأكولات المدمرة على صحة المواطن. ففي هذه الدول يموت من أمراض القلب التي تسببها الأكلات غير الصحية مئة ضعف ما يموت من حوادث الطرق، والحرائق، وجرائم الاغتصاب، والسرقة، وحتى ضحايا الإرهاب.

          إنه لأمر جيد أن ترى الآن هنا ملصقاً فيه نسبة مكونات المادة الغذائية على غلافها، فأنت تعرف قبل أن تتناول المادة، نسبة الدهون العاديّة والمهدرجة، والكولوسترول، والملح والسكر الخ، لكنك إن ذهبت إلى أوربا فلن تجد نسبة كل هذه المكونات، إذ أنهم مازالوا يخفون نسبة الكولسترول إلى حد الآن وهذا نوع من الاستهتار بصحة المواطن البريء.

النظافة

          ما علاقة النظافة في الطبخ؟

          يكشف الكتاب ولع الناس آنذاك بالنظافة إلى جانب اعتنائهم بالغذاء، فالكتاب يفرد فصولاً طويلة في كيفية تنظيف الأسنان، وإزالة الروائح من الفم، وتطهير الجسد، الخ.  فقد كان عندهم ثلاثة أنواع من أعواد الأسنان. وكانوا يستعملون أكثر من عشرة أنواع من الصوابين: بضعة أنواع من صابون الأذخر، وثلاثة  أنواع يطلقون عليها أشنان، وثلاثة أنواع يطلقون عليها محلّب، وأربعة أنواع يطلقون عليها البنك، ويبدوا أن هذه الأنواع مصنوعة لتداري اختلاف قدرة الناس على الشراء، وللتنوع في الاستعمال، كما في وقتنا الحاضر، فصابون غسل اليد يختلف عن صابون الاستحمام. وفي فقرة من الكتاب يوضح المؤلف شيئا من هذا القبيل: ص333: وينبغي أولاً أخذ المحلّب (نوع من الصابون) ثم أخذ الخلال (أعواد تنظيف الأسنان) ثم أخذ الأشنان (نوع آخر من الصابون) ، فيغسل يده ويدلكها دلكاً جيداً ولا يقرّب يده من فمه، فذلك مفسد للفم، ثم الغسل بالماء لإزالة الأشنان، ثم يأخذ صابوناً آخر ويدلك به فاه وأسنانه وشعر شاربه وكل ما لحقته الزهومة (أي الدسم) ثم يدلك أصول أظفاره، ثم يأخذ بعد ذلك المحلب ثانية والأشنان، ويغسل فاه، ثم يأخذ البنك (نوع من الصابون) والسعد ويغسل يده وفاه، ثم يستعمل الماورد  "العطر" أخيراً) إنها عملية شاقة أليس كذلك؟

          ويفرد الكتاب فصلاً لتنظيف القدور، وهو فصل يكشف معاناة الناس في تنظيف ما يعود الى الطبخ والمطبخ، وبخاصة قدور الطبخ قبل أكثر من ألف سنة. إذ      لا يجد المرء الآن، رجلاً أو امرأة أي صعوبة في تنظيف أواني الطعام: قدور، صحون، ملاعق الخ. يتوافر في أي محل للتسوق، كبيراً أم صغيراً مواد تنظيف، سوائل، مرشات تزيل الزيت والرائحة والطعم، قدور لا يلصق بها الزيت ومخلفات اللحوم والخضر والبقول.

          أما القدور والأواني آنذاك فكانت مصنوعة من المعادن و الفخار أو الخشب والأولى يجب أن تنظف حالاً بعد الاستعمال لأنها تصدأ، والصدأ مضر، أما الفخار والخشب فهما مادتان مساميتان تدخل الزيوت فيهما، ويحتاج تنظيفها الى جهد مضاعف عشرات المرات لكي تزال الرائحة والدسم منها. لنسأل أنفسنا كيف نزيل الدهون من صحن خشبي إن لم يكن لدىنا سائل تنظيف، وإن لم يكن لدىنا إسالة ماء معاصرة، أي حنفية، نفتحها فيتدفق ماء نظيف، معقم. كيف كان أجدادنا ينظفون قدورهم؟ آنياتهم؟

          لابد من الذهاب الى النهر. أو الى ساقية تمر غير بعيد، وقد كان المنصور عبقرياً الى درجة لا توصف، فقد طلب من المعماريين المخططين لبغداد حفر قنوات دائرية تأخذ ا لمياه من دجلة وتنتهي بها، كي يستطيع الناس كلهم أخذ الماء منها، وقضاء حاجيات التنظيف فيها بسهولة، وقبل أن يهدي الطابور الخامس بغداد الى المغول وصف أحد الجغرافيين، واقع بغداد بأنها: يحيطها خمسون قناة دائرية.

          وصية الكاتب في تنظيف القدور:

          (أن: تغسل القدور، ثم تطين، ثم تغسل من الطين الأول، ثم تطين ثانية، وتترك في الطين ليلة كاملة، ثم تغسل مرة أخرى، ثم يأمر بشمها، فإن كان فيها رائحة (دهن. زيت) غسلت مرة أخرى بالكرفس، فإن وجد فيها رائحة فعليه إعادة غسلها مرة أخرى.)

          ويبدو أن وظيفة الطباخ لدى الخلفاء والوزراء والأغنياء وذوي الشأن لا يتوافر عليها أيّ كان، فمن الشروط المهمة: كيفية إزالة الرائحة من القدور، وهي مهمة سهلة الآن، أما آنذاك فلا سبيل غير العادات المتوارثة التي نقرأ عنها في عشرات كتب التراث، وما استقر عليه طلب الأطباء من توصيات، وأهمها هي أن يمسك الطباخ بحصاة نظيفة، ويشمها، ثم ينظف القدر، ويشمه، فإن رأي اختلافاً في الشم، عاود الغسل، حتى يري الرائحة نفسها في الحصاة والقدر.

          نظام الأكل:

          كان نظام الأكل عندهم آنذاك قريباً من نظامنا إلا في شيء واحد فقد كانوا يبدؤون الطعام بالفاكهة، ثم بنوع أو نوعين من الحساء، ثم بقليل من المشهيات، ثم بالوجبة الرئيسة من طبخ أو شواء الخ، ثم بالحلوى، أما إن لم يكن المرء متديناً فينهي الوجبة بأحد أنواع النبيذ أو الخم ثم بالخمور إن لم يكن المرء متديناً.

          يبتدئ الكتاب بوصف المواد الغذائية وفوائدها  من لحوم الماشية المختلفة والأسماك والطيور، والبيض، والحبوب بأنواعها وبخاصة الحنطة والأرز، والبقول، والألبان، والطيوب، والفواكه، وما يؤكل بارداً، أو ساخناً، وما يفضّل في الفصول وبخاصة في الصيف والشتاء، وأنواع المرق، وفوائد الأسماك النهرية والبحرية، والكواميخ، والمخللات، والزياتين (أنواع الزيتون) والهرايس والأرزيات والحنطيات، وما يطبخ بالتنور، والقدر، وأنواع المشويات، وأنواع الحلويات وتزيينها،

الوجبات:

          عنى الوجبات:

          الكتاب غني في وصفاته إلى حدٍ غريب، فهو يصف أثنتي عشرة وجبة للحساء الذي كان يسمى أيضاً الحريرة كما يستعمل الآن في دول المغرب العربي، أما نحن في العراق فلا نعرف سوى نوعين منها، ويصف تسعة أنواع من المربيات لا نستعمل منها الآن إلا ثلاث فقط، وأكثر من مئة نوع من الأشربة المحلاة غير المسكرة، وخمسة أنواع مسكرة.

          الماضي والحالى.

          هل ورثنا كل ذلك؟ لا.

          في العراق حيث كتب كتابنا هذا مازلنا الى حد الآن نعدّ شيئاً من وجبته، لكن ليس كل شيء، ففي الكتاب أكثر من ألف طبخة، لكننا لا نحتفظ في العراق الآن إلا على ما لا يزيد على خمسين وصفة،  أهمها هي شي الجدي والخراف المحشوة، لكننا يجب أن نعترف أنهم كانوا يعتنون بشيّ الخراف أفضل منا، فهم يضعون فيه مواد تخلينا عنها الآن، كالكمأة، ومازلنا نشي الكباب على النار، لكنهم إضافة إلى ذلك كانوا يعدون ستة أنواع من الشي في التنور، لكن خبز التنور بقي نفسه، ولعل خبز الرقاق الذي ورد ذكره في تراث ما قبل الإسلام، مازال يعدّ حتى الآن، وكذلك السنبوسة، والجاجق، والكشك، والباذنجان المحشي، واللوبيا المسلوقة، والكيبايات، من كرشة المعدة محشوة بالرز والقيمة المبهّرة، والهريسة، وبضعة أنواع من الثريد، والسماقية الموصلية، والمخلمة، والقلية الموصلية التي مازالت تعدّ الى حدّ الآن، من ثلاثة مواد رئيسة هي اللحمة (الهبرة) والليا، والبصل مع البهارات، وقلية الباذنجان، التي تتم الآن مع الطماطة، والشوي في التنور، والزلابية، والكليجية، والقطايف. الخ.

          إن الكتابة عن الطبخ العباسي العربي الذي كان سائداً في المنطقة العربية من بغداد حتى الأندلس يأخذ من الكاتب إن أراد أن يبرز بأمانة رقي حضارة الأجداد مجلدات، أما اهتمام الناس في تنظيف الأسنان، بما يعادل الآن المعاجين المنوعة، فلا أظنه موجود قط عند أي أمة أخرى حينئذ، وما هذا الكتاب وغيره سوى نقطة ضوء في نهار كان مشرقا قبل أكثر من سبعة قرون ونصف ثم خفت.

  

عودة الى المحتويات

 

alhasso.com          Mahmoud Saeed الروائي محمود سعيد                    

View our Guest Book               يرجى اعطاء رأيك في دفتر الزوار                   Home Page