alhasso.com موقع الحسـو

صفحة الكاتب كاظم فنجان الحمامي

Home Page - االصفحة الرئيسية

 

  مختارات من  مقالات الكاتب كاظم فنجان الحمامي

 

المحتويات

مبارك يزحف نحو الفاو

البصرة تفقد كنائسها العتيقة

ماتت عارفة كريم اصغر علماء الحاسوب

أبو الغيرة هاشيموتو فوكودا

النعيمي الذي أنعم الله عليه بالشهادة

نداء عاجل إلى كل عراقي شريف

طارق الشبلي تحت وطأة المرض الثقيل

فنارات مضيئة في بحار القصّاب

معاول المستشفى الجمهوري بالبصرة

لا لقتل الإنسان أوقفوا نزيف الدم

تناقضات عراقية صارخة

ديمقراطية الإخوة الأعداء

 موقع كتابات في الميزان
المعقل الأجمل والمعقل المُبَهذَل

مزهر الشاوي يعود إلى البصرة

قراءة في السجل الملاحي لشط العرب

شعب لا يعرف النوم

رمضان في كوكب عطارد

طمس متعمد لتل اللحم

تحت أقدام ماراثون لندن
عيد بأي حالٍ عُدتَ يا عيدُ

في ذكرى رحيل عبد الرحمن محمد عارف

   

البصرة تفقد كنائسها العتيقة

 

جريدة المستقبل العراقي

10-4-2013

 كاظم فنجان الحمامي

 

الميزوبوتاميا ارض الآشوريين والسريان الأرثوذكس (اليعاقبة) والسريان الكاثوليك والكلدان واللاتين والنسطوريين, ومنبت الكنائس المسيحية كلها منذ العهود القديمة إلى العصور الذهبية التي عمقت فيها جذورها من نينوى إلى البصرة تاركة بصماتها الأثرية شامخة كشواهد حية لتنوع حضارة ارض الرافدين حتى يومنا هذا, لكنها لم تكن بمنأى من بلدوزرات التخريب والتدمير, ولم تكن بمنأى من حملات التفريغ والتهجير. .

فقد كان لتقلب الأوضاع السياسية في العراق وتفجرها بسلسلة متعاقبة من الثورات والانقلابات العسكرية للفترة من 1958 إلى 1978, وتورط البلاد والعباد بمتوالية مرهقة من الحروب والمآسي والنكبات للفترة من 1980 إلى 2003, وتفجر الصراعات السياسية الطائفية للفترة من 2003 إلى 2013, كان لها الأثر الكبير والمباشر على حياة المواطنين بشكل عام, وعلى حياة الأقليات المسيحية والصابئية بشكل خاص, فاستشعروا الخطر, وتعاظم قلقهم بوتائر شتى تنوعت بين الاحتلال والقهر وفقدان الأمان وغياب السلام واختلال موازين العدالة والإنصاف, ووجدوا بقائهم في العراق يضعهم في مواجهة المخاطر الداهمة, ويحرمهم من ممارسة شعائرهم الدينية على وجه الاعتياد, ويستنزف قدراتهم المادية, وينغص عيشتهم, ففضلوا الهجرة نحو محطات الغربة والاغتراب, وهكذا خسر العراق الجزء الأهم من مقوماته البشرية, وتردت قدراته المستقبلية في مواجهة التحديات القائمة, فتركت هذه الهجرة جملة من التغيرات السلبية المؤلمة في بيئتنا الحضارية والثقافية. .

ولم يتنبه السياسيون ولا علماء الاجتماع إلى التداعيات الكارثية لهذه الهجرة الواسعة للمسيحيين والصابئة المندائيين, الذين كانوا يشكلون حلقة الوصل بين الحضارة العربية والحضارة الغربية, فقد هضم المسيحيون كلتا الثقافتين وتفهموها, وتوصلوا إلى إمكانية التحاور بينهما, وكان للثقافة المسيحية العراقية (على مدى تاريخها المثمر) تأثيراً متبادلا بين الثقافتين الإسلامية والمسيحية الغربية, فلعبوا دوراً كبيراً في عقلنة التطرف لدى الثقافتين على الرغم من الظروف القاسية التي واجهوها في هذا المسار الشائك. .   

وقد اخترنا مدينة البصرة لكي نستعرض من خلالها أوضاع المسحيين باعتبارها من المدن العراقية القديمة, التي استمدت اسمها (بصراياثا) من رواسب اللغة الكلدانية والمندائية, واحتفظت بالعديد من المعالم الدالة على قدم الكنائس العتيقة, وأسماء العديد من المناطق والمؤسسات والمنتجات. .

فالبصرة مدينة التآخي والمحبة والوئام, المزدانة بواجهاتها المائية, الزاهرة بتنوعها الثقافي والديني, فتكاثرت فيها دور العبادة المسيحية في ظل التفاعل الاجتماعي المتحضر لهذه المدينة المينائية المفتوحة على بحار الله الواسعة حتى بلغت (20) كنيسة وديراً تقريباً, لكنها اختزلت الآن إلى خمس كنائس فقط, أقدمها كنيسة الآباء الكرمليين, التي أسسها الأب بازيل الكرملي, وكنيسة السريان الكاثوليك في سوق التجار, وكنيسة العائلة المقدسة في محلة الباشا, وكنيسة الكلدان في محلة الخندق, وكنيسة مريم العذراء للطائفة الأرثوذكسية الأرمينية في الباشا, وكنيسة (مار أفرام) الكلدانية في محلة بريهة, وكنيسة السريان الكاثوليك في شارع الساحل, وكنيسة الآشوريين في تقاطع كوت الحجاج, وكنيسة القديسة تيريزا للكلدان الكاثوليك, وكنيسة السريان الكاثوليك في الداكير, والكنيسة الشرقية في محلة الجمهورية (الفيصلية), والكنيسة الأرثوذكسية في العزيزية, وكنيسة البروتستانت الإنجيلية في مناوي باشا, وكنيسة السبتيين الأدفنست في مناوي باشا, وكنيسة الصخرة الرسولية بالعشار, ودير راهبات التقدمة في مناوي باشا. .

لقد خسر العراق ثروة لا تقدر بثمن عندما تغافل عن هجرة العوائل المسيحية, وارتكب اكبر هفواته عندما سمح للقوى الهمجية بتهجيرهم بأساليبها الاستفزازية الظالمة, ففقدت البصرة أعز ما لديها في غضون بضعة أعوام, كانت فيها هي الخاسرة, في خضم الفوضى الأمنية التي روعت التجمعات السكانية المسالمة, حتى امتدت يد الظلم لتسهم في تشريد آلاف العوائل, بمؤامرة خبيثة استهدفت تفريغ العراق من جذوره البشرية الضاربة في عمق التاريخ, ولسنا مغالين إذا قلنا ان لهذه الأسر المسيحية في البصرة الدور الريادي الأكبر في رفد الحركة الملاحية بأصحاب المواهب الفذة, والنفوس الطيبة, والعقول المنتجة, والسواعد المسلحة بأدوات الرقي الحضاري, ولم يبق منهم الآن سوى الكابتن (عماد كامل عبودي), والمرشد البحري (رمزي إيشو داود), وطويت تلك الصفحات الذهبية من سجلات الموانئ, التي كانت مزدانة بباقة كبيرة من الربابنة والمهندسين المسيحيين, نذكر منهم الكابتن عصام عمسو, وسمير ناصر بولص, وسمير سليم ميخائيل, ونزار جرجيس بُنّي, ووليد لويس هيلو, وأميل أواديس, وأمجد فرنسيس, والمرشد البحري فرج بُنّي, وبسيم دورنة, ونبيل كامل رزوقي, وروحي فرج دانو, ووديع بطرس, ويوحنا نعمان, والمهندس بهنام عزيز فتوحي, وعصام خوشابا, وصباح جميل بولص, ووارتكيس اواكيم, والربان عصام خليل سليمان, وانترانيك نهاديت, وأوانيس ماردروسيان, والمتخصص بالرفاسات البحرية المرحوم مانؤيل فتوحي, ومن المهندسين الذين أسهموا في تنفيذ المشاريع المينائية نذكر رئيس المهندسين غازي سعيد نعوم, وإلياس حنا مدبّك, والمرحوم أدمون حناوي, ووارتكيس مهرانيان, والمساح البحري الأقدم المرحوم الكسندر فرجيبيان. .

كان هؤلاء الرواد من المبدعين والموهوبين هم الذين شاركوا مشاركة فاعلة في رسم الصور الزاهية لموانئنا بعد منتصف القرن الماضي, وهم الذين عززوا مسيرتها بوطنيتهم الصادقة, وصفاء قلوبهم المفعمة بالحب والوفاء, وهم المعين المتدفق بعطاء الطاقات الاستثنائية النادرة, فكانوا من أهم مقومات النجاح والتألق في الزمن الجميل, وكم تمنيت أن يكون مستقبلنا بجمال ماضينا, لكننا سنبقى هنا بانتظار فجر جديد, وشروق جديد, وأمل جديد, يجمعنا وإياهم في ربوع مهد الحضارات. .

في البصرة الآن سبع طوائف مسيحية تمثلها (145) عائلة فقط, فجاءت فكرة تأسيس مجلس الدفاع عن حقوقهم بمبادرة كريمة من الدكتور سعد متي بطرس, الذي كان سباقا في المطالبة بترميم الكنائس القديمة, والعناية بالمهددة بها, والسعي لتقديم الدعم والإسناد للأسر المسيحية المتضررة. . 

ختاما نقول: ينبغي أن لا نبخس حقوق أشقائنا المسيحيين ودورهم التاريخي المشرف في صناعة هذا المجد الشامخ فوق أرض الميزوبوتاميا المقدسة, وينبغي أن لا يذهب هذا الإرث النفيس في مهب الريح, وأن لا نسمح لذوي النفوس الضعيفة بطمس هذه المواقع الأثرية التي تمثل إحدى الصور المشرقة لمهد الحضارات. . . . .

 

عودة الى المحتويات

 

 

ماتت عارفة كريم اصغر علماء الحاسوب

 

 

كاظم فنجان الحمامي

 

قال ابو الحسن التهامي في رثاء ولده :

 

يا كوكبا ما كان اقصرَ عمرهُ وكذا تكون كواكبُ الأسحارِ

جاورتُ أعدائي وجاورَ ربه شتان بين جواره وجواري

 

لم استطع كبت حزني وألمي عندما تلقيت نبأ وفاة الفتاة الباكستانية الموهوبة (عارفة كريم راندهاوا), لقد شبه شاعر تهامة فلذة كبده بالكوكب الجميل, الذي يظهر وقت السحر ثم يختفي بسرعة, وها نحن نشبهها بكواكب الأسحار التي بزغت وتألقت في سماء العلوم والمعارف عام 2004 لتفارق الحياة على حين غرة, وتنتقل إلى جوار ربها, بعد أن تفوقت على أفضل علماء مايكروسوفت في علوم الحاسوب, وبعدما نالت ارفع الميداليات والأوسمة وهي في التاسعة من العمر. .

 

 

 

نعتتها مؤسسة مايكرو سوفت بأبلغ العبارات, وبكاها بيل غيتس وأساتذة هارفارد, وتوشحت لفراقها القارة الهندية كلها بالسواد, وهكذا ذبلت هذه الزهرة اليانعة في حدائق العلوم والمعارف, لكنها تركت أريجها يعطر الكون كله ويعبق بشذى الورود البريئة. . .

 

http://www.youtube.com/watch?v=aIqDG3T0_JY

 

ولدت عارفة عام 1995 في إحدى القرى الباكستانية, وتوجتها مؤسسة مايكروسوفت عام 2004 وهي في ربيعها التاسع لتضعها في طليعة الكوكبة العالمية لخبراء الكومبيوتر, وحصلت عام 2005 على ميدالية (فاطمة جاينا) الذهبية في العلوم والتقنيات الحديثة, وكان الرئيس الباكستاني على رأس المحتفين بالطفلة الفائزة, وحصلت في العام نفسه على جائزة السلام في الباكستان, وهي في سن العاشرة, ثم دعتها مؤسسة مايكروسوفت عام 2006 للمشاركة في اجتماعات برشلونة لمناقشة سبل تطوير البرامج وتحسين أدائها, وكانت الطفلة الوحيدة من بين العلماء الأعلام, الذين تركوا بصماتهم التطويرية في سجلات برشلونة, ثم مثلت بلادها في مهرجان دبي للحواسيب, وفي عام 2008 دعاها بيل غيتس لزيارة مقر مؤسسته, فكرمها أفضل تكريم, وتوجها أميرة على مملكته. .

 

تدهورت صحتها فجأة عام 2011, وبدت عليها علامات التعب والإرهاق, وتعرضت لنوبات قلبية متكررة, فادخلوها المستشفى العسكري الخاص, لتتلقى الرعاية والاهتمام, فلم تتحسن صحتها, وزارها الرئيس الباكستاني في ردهة العناية المركز للاطمئنان عليها. .

 

كان بيل غيتس يتصل بذويها من وقت لآخر, فطلب منهم نقلها إلى أمريكا, لكنها دخلت في غيبوبة بسبب تلف خلايا الدماغ, ثم انتقلت إلى رحمة الله, لتلتحق بكواكب الأسحار. . .

 

http://www.youtube.com/watch?v=gUF7QyhvgIA

 

رحمك الله يا صغيرتي, وتغمدك بواسع رحمته, وأنزلك منازل الشهداء, وأسكنك فسيح جناته. . . .

 

 

عودة الى المحتويات

 

 

 

 

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ

بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ

 

رحم الله المواطن أحمد أبو الطيب المتنبي على هذه القصيدة الخالدة التي عبر فيها عن همومنا وقسوة الأيام علينا, أنا شخصيا عندما يقولون لي (عيد مبارك) ارتبك, وأصاب بالإحباط, ولا أجد الكلمات اللائقة حتى أجيبهم عن شيء أنا مقتنع به. . .

 

لا أثر للعيد هنا, ولا مكان للسعيد بيننا, وكل القصة وما فيها إننا نعيش آخر أيامنا في لولب مظلم يدور بنا نحو محطات الضياع. .

 

لا طعم للحياة في بلد لا يعرف الهدوء ولا الاستقرار, ولا مكان للمواطن البسيط المسالم (سعيد) أو (أسعد) أو (سعدون) أو (مسعد) في بحر لجي متلاطم الأمواج تبتلع فيه الحيتان الكبيرة آلاف الأطنان من الأسماك الصغيرة. .

حتى الكتابة عن سوء أحوالنا لم تعد تجدي نفعاً بعد أن فقدت كلماتنا طعم الحياة في واقع ميئوس من إصلاحه, فإلى الله المشتكى, وإليه نرفع الدعاء في العيد الذي فقد سعادته إلى الأبد. . . .

 

صابر بن حيران

مواطن من البصرة التي فقدت البصر والبصيرة

 

 

عودة الى المحتويات

 


أبو الغيرة هاشيموتو فوكودا

ونقيضه فرهودو حورامي فرهودو

 

 

جريدة المستقبل العراقي الصادرة ببغداد في 1/10/2012

 

كاظم فنجان الحمامي

 

هاشيموتو فوكودا رجل ياباني بسيط من قبائل الساموراي العريقة, سجل بشهامته وحميته موقفا وطنيا مدهشاً, رفع به اسمه واسم أسرته إلى مصاف الفرسان النبلاء في الحرس الإمبراطوري. .

تتلخص قصة (هاشيموتو) بأنه كان مديرا لبلدية مدينة (كوبي) اليابانية, التي ضربها زلزال عنيف دمر خزانات المياه ومحطات التحلية, وأصاب منظومات الأنابيب المنزلية في المدينة بأعطاب كثيرة, فانقطعت مياه الشرب عن الناس, وكانوا في أمس الحاجة لمن يروي ظمأهم, ويقف معهم في هذه المحنة, التي جلبتها لهم الكوارث الطبيعية, وهنا جاء دور (هاشيموتو) أبو الغيرة وصاحب الحمية, فعمل بجد ليل نهار, وكان يبكي بكاءً شديداً اثناء مساعدته المتضررين, لم يعرف أحد سبب بكائه, لكنه شوهد بعد يوم من الكارثة يقوم بتأدية بعض المراسيم التقليدية لدفن زوجته, التي تأخر في البحث عنها تحت أنقاض منزله, بسبب انشغاله بإنقاذ المنكوبين ومعالجة الجرحى, وفي صباح اليوم التالي وجدوه مشنوقاً ومعلقاً بشجرة, وقد ترك رسالة يقول فيها: ((إن المسؤول الذي يعجز عن إيصال خدمة مياه الشرب لأبناء مدينته لا يستحق الحياة)), وهكذا انتحر (هاشيموتو) تضامنا مع اسر الضحايا, ولشعوره بالذنب والتقصير في حادثة طبيعية ساقتها الأقدار إلى مدينته, لم يكن (هاشيموتو) طرفا فيها, لكنه خجل من نفسه لأنه لم يكن قادراً على تأمين مياه الشرب للعطشى, ولم يكن قادراً على مواساتهم في هذه الفاجعة, ففضل الانتحار شنقا على طريقة الساموراي, واختار الموت بشرف لذنب لم يقترفه هو, لكن مشاعره الوطنية الصادقة, وانفعالاته الإنسانية المرهفة هي التي رسمت له الطريق للالتحاق بالفرسان النبلاء. .

للفساد والإهمال والتقصير صور كثيرة, ومعايير متباينة تختلف من مكان لآخر ومن زمان لزمان, ومن قوم لقوم, فما كان يراه مدير بلدية (كوبي) اليابانية فسادا, لا يراه مدير بلديتنا كذلك, وما كان يراه المدير الياباني (هاشيموتو فوكودا) تقصيراً, قد لا يراه مدير بلديتنا, وقد لا يكثر له بالمرة, فليس من عادة مدراء البلديات عندنا الاهتمام بالنواحي الخدمية بالمستوى الذي بلغته اليابان من الحرص والتفاني, أو الذي بلغته سيريلانكا الفقيرة من الكفاح والصبر. .

وصدق القائل: ((اللي اختشوا ماتوا)), فكان هاشيموتو أول الذين ماتوا ألما وحزنا وتعاطفا مع شعبه, مات (هاشيموتو) لأنه كان يستحي من نفسه, وهو يرى أبناء مدينته يمزقهم الزلزال من دون أن يقدر على انتشالهم وإسعافهم ونجدتهم. .

ما كان على (هاشيموتو فوكودا) أبو الغيرة والحمية أن يقتل نفسه حزنا وألما على شحة مياه الشرب بعد الزلزال الذي حطم مواسير مياه مدينته, ودمر محطات التحلية فيها, كان يتعين عليه أن يتريث قليلا, ولا يقدم على شنق نفسه تحت تلك الشجرة البائسة عقابا لتقصيره, لو نظر (هاشيموتو) لمصيبتنا لهانت عليه مصيبته, فما حدث في اليابان بفعل الزلزال اللعين, يحدث في قرانا ومدننا كل يوم من دون أن يمر بها الزلزال, ويحدث في قراننا ومدننا على الرغم من توفر كل المستلزمات المالية والتشغيلية والاجتماعية, فيمر المسؤولون علينا بمصفحاتهم المدرعة, وسياراتهم المظللة, ومواكبهم الاستفزازية, وقواتهم المبرقعة, بوجوههم المقنعة, ورؤوسهم الحليقة, فتتعالى صيحاتهم الزاجرة, تأمرنا بإخلاء الطريق للمسؤول المبجل المتوجه إلى قلعته الحصينة, المحاطة بالسواتر الخراسانية, والكتل الكونكريتية, فيسد الطرق والمنافذ المؤدية إلى ثكناته المعززة بالمراصد والموانع والكاميرات والأسلاك الشائكة. .

إن أرقى ما يتعلمه المسؤول الشريف في حياته: أن يتحمل المسؤولية مهما عظمت طالما تصدى لها بكل إرادته الحرة المخلصة, ويتحمل كافة نتائجها, وأن يكون النجم الذي يقضي عمره في بث النور للجميع دون أن ينتظر من أحد رفع رأسه ليقول له شكراً لك. .

رحل هاشيموتو بعد الزلزال العنيف الذي ضرب مدينته ودمرها بالكامل, لكن إخوانه في طلائع الساموراي أعادوا بنائها بأبهى حلة في غضون أربعة أعوام, وأصبحت اليوم قبلة للسياح والزائرين.

فمتى ينتفض إخوان السامري (فرهودو حورامي فرهودو), وينهضوا من غفلتهم فيقدموا الحد الأدنى من الخدمات لأبناء مدنهم التي تنتحر كل يوم بسبب انقطاع الكهرباء, وشحة الماء, وغلاء الغذاء, وفساد الدواء ؟؟؟. .

رحم الله هاشيموتو أبو الغيرة وصاحب الحمية, وألهم أهله في مدينة كوبي الصبر والسلوان.......... ولك الله يا عراق. .

عودة الى المحتويات

 

 

 

في ذكرى رحيل عبد الرحمن محمد عارف

 

24-08-2012

 

 بقلم: كاظم فنجان الحمامي

 

 

كان رحمه الله إنساناً وطنياً أصيلاً, أحبه الناس كلهم سواء من اتفق معه أو من اختلف, لم يكن يحمل أي ضغينة لأحد, لا في داخل العراق, ولا خارجه, فقد كانت اهتماماته منصبة على خدمة العراقيين, فوضع هذه الاهتمامات فوق الاعتبارات الأخرى. تميزت فترة حكمه بالهدوء, وأمضى حياته في هدوء شديد, ونأى بنفسه وأسرته عن تقلبات الأوضاع السياسية وبراكينها المتفجرة, فتمتع بحياة مديدة ناهزت التسعين. غادرنا بعد عمر طويل في منتهى الهدوء وكأنه واحد منا, فهو الرئيس العراقي الوحيد, الذي مات في فراشه ميتة طبيعية, ودفن في تشييع مهيب في الأردن, بين الضباط والجنود العراقيين, الذين استشهدوا في معارك التحرير, ودفنوا في مقبرة (المفرق), فلم يمت سحلا أو قتلا أو غيلة أو إعداما, مات وسط أسرته على سرير العناية المركزة في عمان, وتلك نعمة ميزهُ بها ربه عن حكام العراق.

 

1

 

اتسم حكمه باتساع هامش الحريات الثقافية, وشيوع روح التسامح والترفع عن الصغائر والضغائن, والابتعاد عن الوشايات, وعُرف أبان فترة حكمه بالتسامح, ومحاولات فسح المجال لمعارضيه بنوع من المرونة, فأسس ما يعرف بالمجلس الاستشاري الرئاسي, الذي ضم عددا من رؤساء الوزارات السابقين, كان بعضهم من الخصوم, فنشطت في عهده الأحزاب السياسية, التي كان يحتفظ معها بعلاقات ودية. وكان متسامحا حتى مع الساعين للإطاحة به, ولم يوقع أبدا طيلة حياته على أي مرسوم للإعدام.

واسمحوا لي أن أسجل هنا هذا الموقف الفريد الذي حدثني عنه أستاذي في المدرسة المهنية البحرية (قيس عبد الرحمن عارف), والذي يعكس بساطة الرئيس وميله للهدوء: كان رحمه الله يرفض أن تحفه المواكب الرئاسية, ولا يرتاح لمنظر سيارات الحماية وهي تلاحقه بصفاراتها وزعيقها وتجاوزاتها السافرة على نظام المرور, فقد كان يكتفي بسيارة واحدة تمشي خلفه على مهل, وفي يوم من الأيام قرر أن يقود سيارته البيضاء بنفسه, ويخرج مع زوجته الكريمة لزيارة أقاربه, ولم ترافقه حينئذ أي قوة للحماية, وصادف أن تعرضت إحدى عجلات السيارة لعطب مفاجئ في منتصف الطريق, فمرت به سيارة لعائلة عراقية يقودها طبيب شاب, فاكتشف الشاب بان رئيس الجمهورية متوقف على جانب الطريق, وإطار سيارته معطوب, فترجل من سيارته, وتوجه إلى الرئيس, وقال له: هل أنا متوهم أم انك الرئيس شخصيا ؟؟. فتبسم الرئيس وقال له: نعم يا ولدي أنا الرئيس, فشمر الشاب عن ساعديه, وقام باستبدال العجلة المعطوبة, ورافق الرئيس في طريق العودة إلى البيت حرصا منه على سلامته.

 

2

لم تكن هذه المواقف غريبة على هذا الرجل المتواضع, الذي احتفظ ببيته البغدادي في حي اليرموك, والذي كان يشاهده الناس في سوق (المأمون) الشعبي, مع عقيلته (أم قيس), وهو يتبضع الخضروات واللحوم, مرتديا دشداشته البيضاء, سالكا في تصرفاته العفوية سلوك أي مواطن من عامة الناس, معبرا عن البساطة المتناهية, التي طبعت حياته, وحياة أبنائه من بعده, وعلى رأسهم الأستاذ قيس عبد الرحمن.

 

في مثل هذا اليوم من عام 2007 رحل الرئيس العراقي الأسبق عبد الرحمن محمد عارف بعد تاريخ طويل زاخر بالمواقف الوطنية الناضجة, والمآثر التاريخية التي لن تُنسى على مر الأجيال. .

رحم الله الفقيد, الذي كان رئيسا رشيدا صالحا, وإنسانا صادقا يفيض بالوطنية, وعراقيا جديرا بالاحترام والإكرام, ويستحق أن نتذكره بالخير بعد أن عاش في هدوء, وحكم في هدوء, وتنحى عن الكرسي بهدوء, ومات بهدوء. .

 

 

عودة الى المحتويات

 

 

 

 

 

تحت أقدام ماراثون لندن

تباين التصاميم بين شوارع (بلاك هيث) وشوارع طويريج

 

جريدة المستقبل العراقي / بغداد 8/8/2012

 

كاظم فنجان الحمامي

 

لسنا هنا بصدد الحديث عن التنظيم الرائع والاستعدادات العالية في الشوارع اللندنية, التي استقبلت سباق الماراثون للرجال والسيدات, ولا نريد التحدث عن التنسيق الفعّال بين اللجان المرورية واللجان الأمنية واللجان الصحية والرياضية والفنية, التي واكبت السباقات ووفرت لها ما لا يخطر على البال من الرعاية والعناية والمراقبة والمتابعة والاهتمام, ولا نريد التحدث عن اللاعبة الإثيوبية (تيكي جيلانا), التي فازت بذهبية الماراثون لفئة السيدات, ولا عن اللاعب الكيني (إيمانويل موتاي), الذي فاز بذهبية الماراثون لفئة الرجال, ولا نريد التحدث عن النجاحات الباهرة, التي حققتها الهيئات المكلفة بخدمات الماراثون على الرغم من استقالة السيد (ديفيد بيدفورد) المشرف العام على تنظيم هذه التظاهرة الرياضية المرهقة, فما نريد التحدث عنه هنا لا علاقة له بهذا الحدث الرياضي الدولي لا من بعيد ولا من قريب, وإنما أردنا التحدث عن شوارع لندن تحت وطأة الأمطار الثقيلة, التي رافقت السباق منذ بدايته في الساعة التاسعة صباحا لقطع مسافة ستة وعشرين ميلا من منطقة (بلاك هيث) وحتى قصر (بكنغهام), فقد غطت الأمطار الشوارع والأرصفة, لكنها سالت قطرة بعد قطرة بانسيابية مدهشة نحو مستقرها الطبيعي في مجاري لندن, من دون أن تتكدس في البرك والمطبات والحفر و(الطسات), ومن دون أن تتجمع في الساحات والميادين. .

 

لقد شاهدت وقائع السباق من بدايته إلى نهايته, ولم أكن في حقيقة الأمر أراقب العدائين والمتسابقين, فقد أنصب اهتمامي على ما نقلته لنا العدسات البريطانية من الجو والأرض, ومن فوق سطوح البنايات الشاهقة, ومن الكاميرات المحمولة والثابتة في الشوارع والأزقة اللندنية, وكانت فرصة ثمينة للتمتع بجمال هندسة البناء وروائع التصاميم المعمارية, فلم أجد الحفر والمطبات والطسات والتشققات والمنخفضات والمرتفعات, التي اعتدنا على رؤيتها في شوارعنا العراقية في كربلاء والبصرة والموصل, ولم تتراكم مياه الأمطار عندهم مثلما تتراكم عندنا, ولم تمتزج المياه بالأتربة والمخلفات الأخرى لتتحول إلى أوحال وأطيان يتزحلق عليها كبار السن, فيتساقطون الواحد بعد الآخر في الأسواق والأزقة الغارقة بالمياه الآسنة, التي تطفح بها دائما منظوماتنا التصريفية في مواسم الأمطار. .

انطلق العداءون والعداءات, وواصلوا الجري بأقدامهم المبتلة فوق شوارع جميلة نظيفة ملساء مستوية, بمحاذاة أرصفة مزدانة بالإشارات والعلامات واللوحات الفسفورية الملونة, شوارع مرصوفة بالحجارة منذ أكثر من قرن, ومكسوة بالإسفلت منذ عقود وعقود, من دون أن تتصدع, أو تتشقق كما هو الحال عندنا, ومن دون أن نشاهد الحواجز والمصدات الأسمنتية العملاقة, التي اعتدنا مشاهدتها في شوارعنا وحول مؤسساتنا الحكومية, ومن دون ان نشاهد صور ملكة بريطانيا معلقة في كل مكان, ومكتوب تحتها (بالروح بالدم نفديك يا إليزابيث). .

ربما يقول قائل منكم: لا مجال للمقارنة بين شوارع مدينة لندن وشوارع مدينة بغداد, أو مدينة طويريج, أو مدينة سوق الشيوخ, أو أية مدينة عراقية, فنقول له: إن شوارع لندن توقف تبليطها وانتهى تعبيدها منذ أكثر من قرن, بينما تخضع شوارعنا كل يوم لمشاريع التوسيع والصيانة والتعمير حتى تشققت, وحتى مزقتها المعاول والبلدوزرات, فما يكاد ينتهي مقاول من أعمال الحفر والدفن, إلا ويباشر مقاول آخر بالحفر والتعميق في المكان نفسه, فيهدم ما أنجزه المقاول السابق, ويباشر بتنفيذ مشروع آخر في المكان, الذي انتهى منه للتو المقاول الأول, وربما تتكرر مشاريع التبليط عندنا وتتداخل مرات ومرات, حتى تشوهت الطرق والأزقة المرتبطة بها, وغدت في حالة مزرية. وكأننا نخوض سباقات محمومة لتشويه وتعطيل المزيد من الشوارع. وبصورة تنم عن جهل مطبق بألف باء تخطيط المدن, فالتخطيط عندنا يتم بصورة مزاجية قابلة للمساومة لمراعاة مصالح معينة. .

أغلب الظن إن سباقاتنا التعميرية الماراثونية تجري على قدم وساق في ظل غياب الإشراف الحرفي, وفي ظل عدم الالتزام بتطبيق المعايير الهندسية القياسية الصحيحة, وعدم التقيد بمبادئ وأسس التخطيط العمراني, فبدت شوارعنا المنجزة متخرقة بالثقوب, متلطخة بالأصباغ الفاقعة, مكسوة بالمواد الإنشائية الرخيصة, تشوبها المرتفعات والمنخفضات والأنقاض, وهكذا تحولت شوارع مدننا, التي صرفت عليها الملايين, إلى ميادين مفتوحة لعبث العابثين, وثراء المفسدين, فلا برامج مقننة, ولا جداول زمنية, ولا أسبقيات ولا أولويات ولا هم يحزنون, ووصل الحال إلى أوضاع لا يمكن السكوت عنها لما فيها من انتهاكات صارخة لحرمة المال العام, ولما فيها من تجاوزات سافرة لحقوق سكان المدن. .

تعزى أسباب التشوهات, التي أصابت شوارعنا إلى التشرذم المهني, والابتعاد عن تطبيق ابسط القواعد الهندسية المعتمدة في التخطيط العمراني, وربما أدت حالة التشرذم إلى إشاعة أجواء اللامبالاة, والاقتناع بالأداء الشكلي, وتنفيذ المشاريع على الورق من دون ربطها بالنتائج. .

من المسلم به انه لا مجال للمفاضلة بين البصرة ولندن، ولا مجال للمفاضلة بينها وبين محافظة الكوت, فقد تسلح اللندنيون بالعلم, الذي هو عماد الحياة وصانع الحضارات ومنقذ الإنسان, وقديما قال أجدادنا: (ذبها براس عالم واطلع منها سالم), وسخروا علومهم كلها في تجميل مدينتهم وإظهارها بالمظهر اللائق. .

ففي القرن الثامن عشر اجتاح لندن وباء الكوليرا, الذي أودى بحياة المئات من سكان المدينة, ولم يفلح الأطباء في التعرف على أسبابه والوقاية منه, وكان في المدينة مهندسا انجليزيا متأثرا بالنتائج المميتة لهذا الوباء, تجول ذلك المهندس بين المناطق المنكوبة, فرأى جثث الضحايا مبعثرة في كل مكان, فقاده تفكيره العلمي إلى التساؤل عن الأسباب والنتائج, فاكتشف إن تفشي وباء الكوليرا مرتبط بمشكلة غياب المجاري الصحية في مدينة لندن, لكنه لم ينجح في إقناع الناس بذلك, فلم ييأس ولم يتراجع, بل تمسك برأيه, وراح يعمل في بيته لتصميم مخططات شاملة ومتقنة لمنظومات الصرف الصحي, ونجح أخيرا في الدفاع عن أفكاره التطويرية لبناء منظومة المجاري العملاقة, وهكذا ولد مشروع مجاري لندن في القرن الثامن عشر, وظل يعمل بانسيابية تامة منذ ذلك الزمن وحتى يومنا هذا. .

فمتى نتوقف عن تنفيذ المشاريع المليونية الفاشلة, ونبني منظومة واحدة للصرف الصحي, منظومة واحدة فقط قادرة على شفط مياه المجاري, ومياه الأمطار, على أن تكون فاعلة ومجدية لعام واحد فقط, ومتى يتحقق الحلم فنسير في شوارعنا من دون أن نسقط في مطباتها وحفرها, ومن دون أن نغرق في بركها الممتلئة بالمياه الآسنة, ومن دون أن نتزحلق فوق أطيانها وأوحالها وتبتلعنا بالوعاتها؟ ؟ ؟. . .

 

عودة الى المحتويات

 

 

======================================================================

 

 



 

أهل السطوح تنطونا لو نروح


كاظم فنجان الحمامي


القرقيعان عادة رمضانية موروثة, ولعبة موسمية ينتظرها الأطفال في منتصف هذا الشهر الكريم, وهي من التقاليد والعادات الشعبية السائدة منذ قرون في عموم الشرق الأوسط.

ينطلق الأطفال في رمضان بعد صلاة العشاء عند اكتمال البدر, مبتهجين فرحين بهذه المناسبة الرمضانية, وهم يرتدون ثيابهم الجديدة, ويحملون بأيديهم قناديلهم المتلألئة بأنوار البهجة والفرح, يتأبطون أكياسا ملونة, أعدت خصيصا لهذه الليلة المباركة, ليجمعوا فيها الحلوى والمكسرات, يطوفون بين أزقة المدينة وبيوتها, يتجمعون عند كل باب لينشدوا بأصواتهم الشجية, ويرددوا أعذب الألحان والترنيمات, التي تفيض بالطهر والبراءة, يصدحوا بالأهازيج التي تتسم بالدعاء لصاحب الدار وأسرته. وما أن تسمع ربة المنزل هذا النداء الطفولي حتى تخرج إليهم مسرعة, حاملة معها كمية من النقود أو الحلوى, فترحب بهم, وتطلب منهم الإكثار من الدعاء لابنها أو ابنتها, وربما تمرح معهم قليلا, وقد تندمج معهم في ترديد أهازيجهم الموسيقية الملحنة, ثم توزع عليهم الهدايا من دون أن تفارقها الابتسامة, فتبعث النشاط والسرور في قلوبهم, وتشجعهم على مواصلة الاحتفال واللعب المعبر عن براءة الطفولة وصفائها.

يقولون أن القرقيعان كلمة مقتبسة من قرع الأبواب. أو من قرقعة المكسرات في أكياس الصبيان, بيد أن معظم المصادر التاريخية تؤكد على أن مبدأ القرقيعان يرجع إلى ولادة سبط سيد الكائنات (صلى الله عليه وسلم), ففي منتصف رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة كان المصطفى ينتظر أول وليد لبيت النبوة والرسالة, وما أن بُشِّر بولادة (الحسن) حتى أسرع إلى بيت فاطمة فرحا مسرورا, وقامت أم الحسن في هذه الليلة بتوزيع الحلوى على الناس, وهكذا بقيت هذه العادة جارية في المسلمين حتى يومنا هذا, واصل كلمة قرقيعان هي: قرة عين, لكنها أصبحت قرقيعان بمرور الزمن.

بيد أن اللجنة الدائمة للإفتاء في إحدى البلدان الإسلامية أفتت بان: القرقيعان بدعة لا أصل لها في الإسلام, وكل بدعة ضلالة, ومن المؤسف له أن بعضا من الفقهاء إذا لم يعجبهم أمر سارعوا بالحكم عليه بالبدعة, حتى لو كان من العادات المباحة, في حين يرى معظم الفقهاء أن الاحتفال بالقرقيعان جائز, ولا شيء فيه لأنه من العادات, ولا دخل له في العبادات, وقد يؤجر عليه المسلم إذا نوى إدخال الفرح والسرور إلى قلوب الأطفال, لكنهم حذروا من الإسراف والمبالغة في البذخ, الذي نراه هذه الأيام في احتفالات القرقيعان لبعض الدول العربية. وللأطفال في هذا اليوم أهازيج شعبية لا نعرف مؤلفها وملحنها, لكنها من رواسب الماضي الجميل, وهي أشعار باللهجات الشعبية, تختلف في ألحانها ومفرداتها من مدينة إلى أخرى, ففي البصرة يردد الأطفال:



قرقيعان وقرقيعان
عادت عليكم صيام
كل سنة وكل عام
عطونا الله يعطيكم
بيت مكة نوديكم

وفي بغداد يردد الأطفال:
ماجينا يا ماجينا
حلي الكيس وانطينه
تنطونا لو ننطيكم
بيت مكة انوديكم
هاي مكة المعمورة
مبنية بجص ونورة
يا أهل السطوح
تنطونا لو نروح
http://www.youtube.com/watch?v=0w2y5APQzrc

وهي من ألحان الفنان العراقي المبدع علاء كامل, واسمه الحقيقي (علي عبد الرزاق حسن الهاشمي) المتوفى ببغداد عام 1971

وكان أطفال بعض المدن العراقية يرددون في رمضان 2005 هذه الأهزوجة:


ماجينا يا ماجينا
الأمريكي إشجابه علينه
هم شفتي الشعب مرتاح
لو شفتي دامت أفراح
شو بس نار وتكوينه
ماجينا يا ماجينا


وربما كانت الماجينا باعثا لتفجر قريحة الشعراء الشعبيين في العراق, وحافزا رمضانيا فتح بوابات الماجينا, وشجعهم على نسج المزيد من المقاطع الغنائية على إيقاعات الماجينا والجورجينا, ويسرنا أن نهديكم هذه المقاطع المنوّعة المختارة من بعض القصائد الرمضانية الساخرة:


ماجينا يا ماجينا
فرجة للناس صفينه
والسبب كومة أحزاب
تتقاتل خلف الأبواب
باعونا برخص التراب
والدستور مضيعينه
ماجينا يا ماجينا
كعدي كبالي وحاكينا
كافي تكذبين علينا
لا اكو كيس وافتحتيه
ولا حال وغيرتيه
وين الرز والعدسات
وين الشاي والشكرات
وين طحيني والدهنات
واكليجة ما سوينه
ماجينا يا ماجينا
ليش العالم ناسينا
ليش أحنا أنفكر بالناس
شو محد فكر بينا
يا رب انته راعي البيت
احفظنة واحفظ هالبيت
دقينا الباب برمضان
ردنه ضماد من الجيران
يا أهل السطوح
جيرانكم مجروح
وابن الجيران الحباب
إجه يركض فتح الباب
بس فجّر نفسه علينا
ماجينا يا ماجينا

 

عودة الى المحتويات

 

 

 

شعب لا يعرف النوم

 

 

 

جريدة المستقبل العراقي في 25/7/2012

 

 

كاظم فنجان الحمامي

 

لسنا من النماذج البشرية الرقيقة, التي تخشى الكوابيس, وتنزعج من الأحلام المرعبة, ولا من الأقوام التي تخاف من الجن والعفاريت, ولا من الأقوام التي يقلقها الأرق. .

ولسنا من أبناء مدينة (سالونيكا) اليونانية, المدينة التي لا تعرف النوم. ولا من أبناء (هونغ كونغ) الساهرة على أضواء القناديل, ولا من المدن الصاخبة التي لا ترقد بالليل, ولا تهدأ بالنهار كطوكيو, وبيروت, وباريس, والقاهرة. .

ولسنا ممن يرون في النوم مضيعة للوقت, مثل العبقري الكبير (ليوناردو دافنشي), الذي كان يكتفي بالنوم عشرين دقيقة كل أربع ساعات, ولا مثل (نابليون بونابرت), الذي كان ينام أربع ساعات في اليوم وحسب, ولا من الذين يسهرون الليالي طلبا للمعالي. .

ولسنا من الأقوام المستقرة, التي ترى في النوم محطة ليلية للاسترخاء, وفرصة لاستعادة طاقات البطاريات الحيوية في أجسامهم المتعبة, وإعادة شحنها معنوياً وبدنياً, كي يستيقظوا في الصباح الجميل, ويسعوا في مناكبها بعضلات قوية, وأرواح مفعمة بالنشاط. .

ولا نحن من الجماعات التي تهوى السهر على ضوء القمر, ولا من رواد الملاهي الليلية, الذين ينامون النهار ويستيقظون حتى الصباح في الليالي الملاح. .

ولسنا من الذين غادر الكرى جفونهم حزنا وكمدا على فراق الأحبة, فنحن نعيش خارج التغطية, غرباء في أوطاننا, تعساء في ديارنا منذ زمن بعيد, ونرزح خلف قضبان سجن كبير. .

ولا ممن يحرسون بيوتهم وممتلكاتهم في الليل, تحسبا لهجمات اللصوص والغزاة والحرامية, فنحن لا نملك من حطام الدنيا شيئا, ولصوصنا يسرقون في النهار. .

ولسنا هنا بصدد الحديث عن رواية جديدة مكملة لرواية إحسان عبد القدوس (لا أنام), لكننا أردنا التلميح عن بعض فصول مأساتنا النابعة من واقعنا المر المعاش, بعد أن طار النعاس من عيوننا, وصرنا لا نعرف النوم بالليل ولا بالنهار, ولا ننام مثل بقية الكائنات من الجن والإنس في أقطار السماوات والأرض, ربما لأنهم يتفوقون علينا حضارياً في المعايير الكهربائية والأمبيرية والفولتية, وعندهم فائض كبير في الميغاواطات, فلا تتعجبوا ولا تندهشوا, فنحن لا نهجع ولا ننام, وانقطعت علاقتنا بالسرير والفراش, ونسينا نعومة الوسائد, وصارت عندنا مناعة ضد أقراص الفاليوم. .

نحن نبكي في الظلام, ونضحك في الظلام, ونأكل في الظلام, تشوينا حرارة الصيف, تكوينا رياح السموم, نتقلب في العراء فوق سطوح منازلنا ذات اليمين وذات الشمال, حتى تيبست جلودنا, وضعف عودنا.

نمارس منذ زمن بعيد رياضة الحرمان, نهرع كل ليلة إلى محطات التعبئة لنتزود بوقود تشغيل مولداتنا المنزلية, التي تمثل عندنا الخط الاحتياطي الأول, ثم نشترك كلنا في صيانة الخط الاحتياطي الثاني للمولدات الجماعية المبعثرة في الأحياء السكنية, والتي ندفع أجورها من مدخراتنا الخاصة, أما الخط الاحتياطي الثالث فهو خط تجهيز الكهرباء الوطنية, التي فقدت وطنيتها, وخذلتنا في هذا الصيف الملتهب.

نمضي الليل كله في يقظة تامة, استعداداً لتحويل خطوط الكهرباء من خط إلى خط, نتقافز كما القطط من ركن إلى ركن, ومن مولدة إلى أخرى, وسط غابة من الأسلاك المتشابكة المزروعة في بحر هائج من الضجيج والأزيز والصخب والدخان. وها نحن نرضع من الوعود ثدي عقيم, ونركب من الأمل ظهر بهيم, فهل من كريم يجلو عنا الكابوس, ويزيح عن كاهلنا قيود النحوس, ويعيد البهجة إلى هذه النفوس. . .

 

 

واحَسْرتاهُ متى ننام

فنحس أنّ على الوسادة

من ليْلك الصيفي طَلاً

فيه عِطرُك يا عراق

 

عودة الى المحتويات

 

 

 


رمضان في كوكب عطارد

 

 

جريدة المستقبل العراقي في 24/7/2012

 

 

كاظم فنجان الحمامي

 

ستقترب البصرة في شهر رمضان من الخطوط الساخنة لكوكب عطارد, أقرب الكواكب لكرة الشمس, لتسجل رقما كونيا في المقياس المئوي قد يزيد على (55) درجة في الظل, ففي الواحدة بعد الظهر من كل يوم تنصهر البصرة وتتمدد بصمت, فتنخلع من سرّة الأرض لتذوب في أفران عطارد, فتشتعل النيران في أزقة (العشّار), و(البراضعية), و(التميمية), و(التحسينية), و(الخندق), وتتساقط ضواحيها البعيدة من شدة العطش والجفاف, ويغمى عليها خلف جدران الصمت القاتل, حيث تتلاشى ظلال البيوت الخاوية, التي يطويها الشقاء والخمول والإرهاق, ويسترها الصفيح الساخن, وتغلفها الأسمال البالية.

في رمضان يتنفس الموت وحده في منعطفات أزقة (مهيجران) الترابية الموحشة, تتفجر براكين تموز في فضاءات (أبي الخصيب) وساحات (التنومة), فتنفتح نوافذ (باب الهوى), و(باب طويل), و(باب سليمان) لدوامات رياح السموم المنبعثة من أفران قرص الشمس المتوقدة بالحمم,

فيتعكر مزاج الناس المتصدع من قرف الصيف الملتهب. .

في رمضان تغلي عروقهم المشوية بمراجل الغضب, فيحتشدون على ضفاف شط العرب, بعد أن حصحصت موجات الحر, حتى تحمصت وجوه الناس, واختفت العدالة المناخية من أجندة محطات الطاقة الكهربائية التي فقدت وطنيتها.

تتوقف حركة المرور في الواحدة ظهراَ, وتتعطل النشاطات الإنسانية كافة, وتصاب البصرة بشلل تام, تختفي مظاهر الحياة من الشوارع والساحات في المدن والأحياء الفقيرة. فلا تسمع لهم صوتا, إلا ضجيج المولدات وصخبها المدوي, واهتزازاتها التي ربما كانت هي السبب في تصدع طبقة الأوزون, وتشقق قشرة الأرض بين (الفاو) و(الزبير).

 

تتوالى ضربات الشمس على وجوه الأطفال, تتفشى حمى الإعياء الحراري بين النساء والشيوخ, يتفجر النزيف الأنفي, تظهر على الناس ملامح الإجهاد القلبي, ترتفع حرارة أجسامهم, تتزايد سرعات تنفسهم ونبضهم, فتضطرب عندهم الرؤية وينخفض ضغط الدم.

تتعامد أشعة الشمس فوق مراسي الفاو, فيصب العرق من مسامات أرصفتها المهجورة, فتتعرق سواحلها بلون الحناء, وتتبخر برائحة الممرات الملاحية المغتصبة, يتلاشى بريق أصداف المرجان بجوار جزيرة (حجام) المصابة بذات الرئة, يتسلق الصدأ إلى قمم فنارات شط العرب, تتمزق أشرعة السفن المتعبة, تتصاعد زفرات البحارة, فتتعالى صيحاتهم لتملئ تجاويف الفراغ السياسي الذي شاب له (رأس البيشة) وصار أكثر توترا وسخونة.

يتزايد تركيز الأشعة فوق البنفسجية في مثل هذه الساعة, وتتخطى درجات الحرارة حاجز القراءات المتوقعة في مقاييس الأنواء الجوية, فتقفز إلى 55 درجة مئوية في الظل, فيطفو القلق والتوتر والعصبية والنرفزة فوق سطح المدينة المشتعلة بنيران القيظ اللافح, تتزايد معدلات التصرفات العدوانية المتمثلة بالتصادم والشجار في الأسواق والمقاهي, ولم يجد البصريون بُدّا من صب جام غضبهم على السياسيين بكافة مشاربهم, ولم يترددوا في نعتهم بأغلظ العبارات, واتهامهم بأنهم يعيشون في نعيم الأجواء المتكندشة, ولا يفكرون إلا في راحتهم الشخصية, دون مراعاة لأبسط حقوق المواطنين. فيتزايد حنق الناس على شبكة الكهرباء الوطنية, التي فقدت وطنيتها منذ زمن بعيد. . منذ زمن بعيد. . مع الأسف الشديد. .

وكل رمضان وانتم صابرون, وانتم صائمون, وانتم فائزون, وكل رمضان وهلاله يأتينا بكهرباء تعيننا على مواجهة الحر ومقارعة العطش, وكل رمضان ينكفئ فيه حصاد المفخخات, وتتعثر ماكينته. .

هلالُ خيرٍ عليكم يا أهل العراق يجعلكم واعين لحركة الصراع مع تجار الموت وسماسرة الضحك على الجراحات, التي تشخب دماً عبيطاً يمتزج مع ذرات التراب المتوهج بالألم, هلالُ سلمٍ وأمانٍ من الجوع والفقر والغفلة والضياع, الذي ينشره المجرمون في الأرجاء. . .

والله يستر من الجايات

 

عودة الى المحتويات

 

 

 

 

 

قراءة في السجل الملاحي لشط العرب

من 1579 إلى 2012

 

 

 

ملف خاص نشرته جريدة (ذاكرة البصرة) في ملحقها المرفق مع العدد الثالث الصادر في حزيران 2012 وهي جريدة شهرية من إصدارات مركز دراسات البصرة / وزارة الثقافة

 

 

كاظم فنجان الحمامي

 

ابتليت الممرات الملاحية المؤدية إلى الموانئ العراقية وشرايينها بكولسترول الترسبات الطينية المتراكمة بفعل ظاهرة الإرساب والترسيب الملازمة لدلتا شمال الخليج العربي, وتعرضت في المدة من عام 1579 ولغاية عام 2012 لسلسلة طويلة من التغيرات التي فرضتها عليها الظروف الطبيعية والسياسية والحربية, حتى كادت تكون الأكثر تغيرا من بين كل الممرات الملاحية في كوكب الأرض, وسنتناول في هذه الدراسة المختصرة مراحل تلك التغيرات, التي لم تكن في يوم من الأيام في صالح العراق إلا في حدود بضعة أعوام مبعثرة هنا وهناك على صفحات السجل التاريخي لهذا النهر العظيم, الذي تغافلت عنه المؤسسات السياسية والعسكرية والملاحية, وأهملته المراكز العلمية العراقية, ولم تتطرق إليه المقررات الدراسية, في مراحلها التعليمية كلها من الابتدائية إلى الجامعية, ووصل الوضع ببعض مؤسساتنا الإعلامية إلى تجاهل اسمه تماما على صفحات بعض الصحف المحلية, التي أطلقت عليه اسم (اروند رود) في صفحاتها الأولى, والمثير للعجب إن بعض الدراسات العراقية اختلطت عليها أسماء الأماكن الرئيسة في شط العرب, ولم تعد تميز الديك من الحمار, ونورد هنا بعض التسميات المضحكة كدليل على هذا التخبط, فقد تكرر اسم (جزر المحلة Muhalla), وملحقتها (إبهيرية Bahriyeh), والحقيقة ان المقصود هو جزيرة (محيلة), وليست (محلة), وهي جزيرة واحدة وليست (جزر), ولها أسماء كثيرة مثل (جزيرة حجي صلبوخ), و(شلهة الصيادين), واسمها الفارسي الجديد هو (جزيرة مينو), اما (ابهيرية) فلا وجود لها في شط العرب, ولا حتى عند قبائل (البهرة) في الباكستان, والحقيقة إن المقصود هو جزيرة (البحرية), وهي جزيرة تابعة لناحية السيبة, تقع عند منعطف شط العرب المار بمصفى عبادان, وورد اسم جزيرة (شطيت Shatait), والحقيقة إن المقصود هو جزيرة (أشطيط), وتعني مصغر (شط), وهي جزيرة تقع جنوبي عبادان, بين بواردة والدواسر, وورد اسم (معوية Ma'awiyeh), والحقيقة ان المقصود هو جزيرة (معاوية), وتقع على الضفة الإيرانية بين ميناء (خسروآباد), وميناء عبادان, وورد اسم مانقوحي Manquhi), والحقيقة إن المقصود هو منطقة (المنيوحي) الواقعة شمالي (القصبة) على الضفة الإيرانية عند موقع (البيت الشمالي), وتسكنها قبيلة الحميداويين العربية, وورد اسم (قناة تشيين Chaiyin canal), والحقيقة إن المقصود هنا هو نهر (خيين), والكلمة تعني بالعربية الدارجة (شقيقين), اثنان من الأخوة غرقا في هذا النهر عندما حاول الأول إنقاذ الثاني من الغرق, فصارت مأساتهما عنوانا للنهر, والنهر عبارة عن جدول صغير متفرع من شط العرب شمالي المحمرة يفصل الحدود البرية العراقية عن الإيرانية, وتكرر هذا اللغط في معظم الدراسات والخرائط المصاحبة لها, فارتأينا كتابة هذا الملخص السردي لتاريخ مدخل شط العرب من جهة البحر قبل أن تتغير هويته, وقبل أن يفقد مؤهلاته الملاحية والنهرية, وقبل أن تتشوه ملامحه الرئيسة أكثر مما هي مشوهة الآن. .

بداية لابد لنا من التطرق لبعض العناوين الكبيرة في سجل مدخل شط العرب, والذي يتحدد بين العوامة الملاحة (خفقة) وبين رصيف رقم (3) في الفاو, فالعوامة (خفقة) تقع في محيط ميناء خور العُمًيَّة, والرصيف رقم (3) النفطي يقع في الواجهة الشمالية لميناء الفاو, ويبلغ طول هذا المقطع الملاحي (20.9) ميل بحري بالتمام والكمال, وهو مقسم إلى ثلاثة مقاطع ثانوية ابتداءً من البحر, فالمقطع الأول ويطلق عليه (السد الخارجي Outer Bar), ويبدأ من العوامة (خفقة) إلى العوامة الملاحية رقم (10) في خرائط السبعينيات, وهو بطول (8.8) ميل بحري, والمقطع الثاني يسمى (السد الداخلي Inner Bar), ويبدأ من العوامة الملاحية رقم (10) إلى العوامة الملاحية رقم (14), وهو بطول (6.6) ميل بحري, والمقطع الثالث يسمى (مدخل الفاو Fao Reach), ويبدأ من العوامة الملاحية رقم (14) إلى الرصيف رقم (3) في الفاو, وهو بطول (5.5) ميل بحري. وبهذا تكون المسافة كلها (20.9) كما أسلفنا. وتجدر الإشارة هنا إلى إن التسمية الرسمية العامة المثبتة في الخرائط الملاحية والحدودية والسياسية لهذا الممر الملاحي الحيوي الفاصل بين العراق وإيران هي (قناة الروكا Rooka Channel), ولهذه التسمية حكاية تؤكد فصولها على حقوق العراق المفقودة في مسطحاته المائية وبحره الإقليمي, سنأتي على ذكرها في هذه الدراسة.

وهناك نقطة غامضة لابد من توضيحها حتى لا يصعب فهمها على القارئ, وهي إن مدخل الممر الملاحي لشط العرب كان في القرن السادس عشر الميلادي عند مقتربات جزيرة (خارك), وان ذلك الممر تحرك تدريجيا نحو الغرب حتى صار على بعد بضعة كيلومترات من مدخل قناة خور عبد الله, وانه اكتسب خلال مراحله الانتقالية تسميات متكررة ومتشابهة, فكلما ظهرت قناة جديدة غرب القناة القديمة أطلق الناس على القناة الجديدة تسمية (القناة الغربية), وأطلقوا تسمية (القناة الشرقية) على القناة الملاحية القديمة, ثم تندثر القناة الشرقية بمرور الزمن لتصبح القناة الغربية هي القناة الملاحية الرئيسة, ثم تتدخل العوامل الطبيعية لتحفر قناة ثالثة غرب القناة الرئيسة فتصبح القناة الثالثة هي الغربية وتصبح القناة الرئيسة هي الشرقية بعد أن كانت هي القناة الغربية, وهكذا تغيرت التسميات وتكررت بين غربية وشرقية تماشيا مع الزحف المتواصل نحو الغرب (باتجاه المياه الإقليمية العراقية), حتى جاء اليوم الذي انتبهت فيه شركة الهند الشرقية لهذا الزحف المتكرر, فولدت فكرة قناة (الروكا), التي وضعت حدا لهذا الزحف المتكرر, لتحافظ على الملامح الرئيسة في البوابة البحرية لشط العرب, فضبطت أبعادها وأعماقها وإحداثياتها بخطوط الطول والعرض. .

 

(روكا): روح شط العرب

روكا, أو الروكا ((Rooka اسم جميل نقشته السفن العملاقة على صفحات المذكرات الملاحية العراقية, ونال منذ بداية القرن الثامن عشر الميلادي قسطا كبيرا من اهتمام القائمين على تنظيم حركة سير السفن المغادرة والقادمة, من وإلى الموانئ الواقعة على ضفتي شط العرب, والروكا اسم يوثق حدود السيادة البحرية العراقية, ويرسم المسالك الملاحية للسفن المتوجهة إلى موانئ شط العرب, ويمثل النافذة التي يطل منها العراق على البحار والمحيطات. .

ظل اسم قناة الروكا مهابا في وثائق الأمم المتحدة. ومتصدرا لمعظم نصوص الاتفاقيات الحدودية المبرمة بين العراق وإيران, وتكرر هذا الاسم اللامع في كل المراجع الملاحية والجغرافية والتاريخية والسياسية, التي تحدثت عن مصب شط العرب في الخليج العربي من دون أن تشير تلك المرجع إلى سبب هذه التسمية أو معناها. وظل المعنى الحقيقي لقناة الروكا Rooka Channel مجهولا على مدى القرون الماضية, فعلى الرغم من أهمية هذه القناة الملاحية, وعلى الرغم من تداول هذا الاسم الجميل من قبل كل السفن الأجنبية والمحلية. لم نجد في بطون الكتب القديمة أو الحديثة ما يدلنا على فحوى الروكا أو معناها. . ولكوني من المهتمين بدراسة التاريخ الملاحي لشط العرب. فقد كان هذا الاسم الكبير يشغلني ويحثني على مواصلة البحث. . فمن غير المعقول أن أكون عاجزا عن تفسير معنى الاسم, وأنا الذي عملت في هذه القناة بصفة مرشد بحري ردحا من الزمن, فقررت أن أتعمق في البحث والتفتيش عن سر هذه التسمية الغريبة, فوجدت أن كلمة (Rooka) تعني في قاموس المفردات ( الانجلو هندية Anglo-Indian): (الوثيقة المكتوبة بخط اليد), وتعني أيضا عملة هندية محلية مصنوعة من الفضة, وتساوي حتى عام 1875 حوالي 1 إلى 2 روبية تقريبا, بيد ان تلك العملة القديمة اختفت بعد عام 1875 وحلت محلها الروبية, وهي الآن من المسكوكات النادرة, ولو فاضلنا بين المعنيين نجد إننا نميل إلى المعنى الذي يحمل في طياته كل ما يتعلق بالتوثيق والخرائط المرسومة باليد, ويبدو أن شركة الهند الشرقية كانت مضطرة إلى اعتماد هذه التسمية على خلفية النزاعات الحدودية المتكررة بين العراق وإيران حول مقتربات ومداخل شط العرب, فالمفهوم الذي يحمله المعنى الأول يشير إلى التوثيق الخطي, الذي ينبغي أن يعتمد في إثبات الحقوق لكلا البلدين. . أما المعنى الآخر. وهو العملة النقدية, فيكاد يكون مستبعدا لأسباب منطقية لا داعي لذكرها الآن. .

إذن ( قناة الروكا Rooka Channel ) تعني: القناة الملاحية التي تم رسم مسالكها وتثبيت فناراتها بوثائق وأوراق قانونية رسمية مكتوبة بخط اليد, وبوثائق معروفة, ومعتمدة, ومصادق عليها. . وظلت قناة الروكا محتفظة بوثيقتها في القرون الماضية ولم تتغير مسالكها ومواقع فناراتها وأسلوبها في التعامل مع السفن التجارية, فتربصت بها التيارات المائية الجبارة, واغتالتها بكثبان الترسبات, التي انهمرت عليها كالسيل الجارف. ودفنتها تحت الأطيان المتراكمة. ومازالت ترقد هناك في مثواها الأخير. في المكان الذي كُتب بخط اليد في شهادة ميلادها, وفي (روكتها), التي ختمت بختم وإمضاء والي البصرة, فشاءت الأقدار أن تكون (روكتها) هي وصيتها وشهادة وفاتها, في إصرار عجيب منها, يرمي إلى توثيق الأبعاد السيادية للمياه الإقليمية العراقية. . ثم مضت التيارات في غيها وجبروتها. وراحت تنحت في أكتاف رأس البيشة, فحفرت لها قناة جديدة باتجاه خور عبد الله, وانحرفت تلك القناة الجديدة في مسارها, وابتعدت عن المضمون الذي نصت عليه وثيقة الروكا, لكن دوي صوت الروكا سيبقى متصدرا كل المفاوضات, التي ستتناول موضوع سيادة العراق على مسطحاته المائية. . .

 

 

شركة الهند الشرقية

في عام 1579 حصل (وليام هاريون) على ترخيص من الأستانة للتجارة الدولية البحرية والبرية عبر شط العرب في ولاية البصرة, ثم حصل (هاريون) على ترخيص آخر عام 1600 لتوسيع تجارته البحرية, وتأسيس شركة متخصصة في هذا المضمار, وما لبثت هذه الشركة أن انقسمت إلى شركتين, اندمجتا في إطار تعاوني واحد عام 1709 تحت اسم جديد, هو (شركة الهند الشرقية), واتخذت من البصرة مقرا لها, وصار هذا المقر عام 1764 هو المركز الرئيس لإدارة العمليات التجارية بين الهند والعراق عبر الممرات الملاحية لشط العرب

 

مشاريع تشسني الملاحية

في عام 1834 جرت محاولات عدة لمسح قيعان الممرات الملاحية لمصب شط العرب, والتعرف على مداخلها الممتدة باتجاه الخليج العربي لتحديد أعماقها, وتحديد مدى صلاحيتها للملاحة, وإمكانية إزالة الترسبات منها, في هذا العام اصدر الباب العالي في الأستانة فرمانا عثمانيا وافق بموجبه على مشروع يهدف إلى تنشيط حركة السفن البخارية القادمة من البحر عن طريق شط العرب باتجاه المرافئ الصغيرة المقامة على نهري دجلة والفرات, وبدأ المشروع بتسيير سفينتين (باخرتين) بريطانيتين, حملتا اسم (دجلة), و(الفرات), بإشراف الملازم (فرانسز تشسني Francis Chesney), الذي اختار المباشرة برحلته من (حلب) في الشام إلى البصرة, فوصل مدينة (عنة) عام 1836, حيث انتهت الرحلة بغرق السفينة وطاقمها, توجه بعدها (تشسني) إلى بغداد, ليسلم مقاليد الرحلة إلى البريطاني (هنري بلوس لنج), الذي قام بتأسيس شركة عرفها الناس باسمه, وهي شركة (بيت لنج), وقام (هنري) عام 1837 بمسح شط العرب والحاجز الغريني, ووجد إن هناك قناتين في الخليج العربي كامتداد لشط العرب يفصل بينهما الحاجز الغريني, ولاحظ أيضا إن القناة الغربية كانت بعمق 16 قدما في حالة المد العالي. .

اما بخصوص السيادة العراقية المطلقة على شط العرب, فقد تحدث عنها (رولينسون Rawlinson) عام 1844 فقال: إن ضفاف (الفيلية) المرتبطة بمدينة المحمرة (خرمشهر) كانت تابعة لسلطة حاكم البصرة, وان تلك السلطة كانت تضم بساتين نهر بهمنشير, وتمتد حتى مرفأ (بندر شاهبور), ثم جاءت المادة الثانية من معاهدة (أرضروم) لسنة 1847 التي تنازلت بموجبها الحكومة العثمانية عن الضفة الشرقية لشط العرب, وتنازلت أيضا عن مدينة المحمرة, وجزيرة عبادان, ومرفأ عبادان, ومنحت السفن الخشبية الإيرانية حق الملاحة في شط العرب. . .

 

 

تقارير متباينة

أشار (آندرو) عام 1857 إلى إن عمق الماء عند الحاجز الغريني كان يصل إلى 18 قدما, بسبب الجهود المتواضعة المبذولة لتنظيف الممرات الملاحية وإزالة ترسباتها, ثم جاءت إصلاحات الوالي (مدحت باشا) عام 1872, لتعطي تلك الجهود شحنة جديدة, فقد قام الوالي بجلب آلة حفر لتعميق نهر الفرات المرتبط ملاحيا بالبصرة, وكان يرى فيه اقصر الشرايين الملاحية التي يفترض أن تغذي الموانئ الأوربية بالبضائع الهندية المتكدسة في خليج البصرة, وربما كان يرى الفرات بديلا عن السويس, ما يعني انه لم يكن مهتما بكري الحاجز الخارجي لشط العرب, إلا بعد أن باءت محاولات تنظيف الفرات بالفشل, ثم كرس جهوده في تطوير الملاحة في شط العرب, فأنشأ ورشة بحرية في البصرة لإصلاح السفن وصيانتها, وباشر بعمليات كري الطمي, وإزالة الأطيان من الحاجز الغريني, ولم يسعفه الحظ في استئناف مشاريعه المينائية في البصرة, بسبب عزله عن العراق, ولم يمتلك خليفته الحماس نفسه, فتوقفت آلات الحفر عن العمل, وتعرضت للتلف فغرقت على ضفاف شط العرب, ولم يتم الاستفادة منها, على الرغم من المبالغ الباهظة التي صرفت على استيرادها, فتردت أعماق مدخل شط العرب من (18) قدم إلى (11) قدم, وهذا ما أكد عليه السائح (جيري), الذي وصل الحاجز الغريني يوم 13/آذار/ 1878 عند ارتفاع المد, فقدر عمق الماء بحوالي (11) قدما ولمسافة ساعة من الإبحار, وفي عام 1890 قام الملازم Gunn بالمسح الهيدروغرافي العام فوجد قناتين بينهما ترسبات غرينية, ولاحظ إن القناة الشرقية وعلى الرغم من وجود مياه كثيرة فيها إلا إنها لم تكن مطروقة بسبب كثرة انحناءاتها, أما القناة المستعملة في الملاحة فكانت الغربية, وطولها عشرة أميال (16 كم), وعمقها عشرين قدما في أعلى حالات المد, ووجد قناة ثالثة بين القناتين تبدأ من نقطة التقائهما من جهة البحر وتجري بموازاة القناة الغربية, من دون أن يكون لها منفذ من جهة اليابسة باتجاه الفاو, يقدر طولها في حدود ستة أميال (10 كم), وعمقها (24) قدما في أعلى حالات المد, ولاحظ أيضا إن طول الحاجز الغريني أصبح عشرين ميلا (32 كم),

 

 

فرانك سترك يعمق الممر الملاحي

في عام 1895 كانت قناة الروكا في مدخل شط العرب تعد من الحواجز الطينية, التي تقف في وجه السفن العابرة للمحيطات. وكان الحد الأعلى لغاطس السفن المسموح لها بدخول هذه القناة محددا آنذاك بعشرين قدما فقط . فوقفت هذه التحديات أمام طموحات فرانك كلارك سترك (مؤسس شركة سترك لاين), الذي كان يخطط لتأسيس خط ملاحي جديد للسفن التي يزيد غاطسها على عشرين قدما . فقرر على أثرها اقتحام هذه العقبة الطبيعية, عن طريق شراء مجموعة من السفن الصغيرة , وتوظيفها للعمل في هذه المنطقة, لكي تقوم بتفريغ كميات لا بأس بها من حمولاتها المرسلة إلى موانئ شط العرب, و تخفيف غاطسها إلى المستوى الذي يجعلها قادرة على تخطي الحاجز الطيني, وتأمين دخولها إلى قناة الروكا. فبدأ فرانك عام 1895 بشراء السفينة DWINA التي رابطت عند مدخل شط العرب من جهة البحر. ثم قام عام 1901بشراء السفينة ESTHER وأرسلها إلى قناة الروكا لتساهم في عمليات تخفيف غاطس السفن الكبيرة المتوجهة إلى البصرة. .

بوشر عام 1905 بمسح عام لشط العرب, ولوحظ إن تحسنا كبيرا قد طرأ على الممر الملاحي, لأن القناة الوسطى تطورت إلى قناة رئيسية, وصار لها مخرج من شط العرب إلى البحر, في حين اختفت كل من القناتين الشرقية والغربية, ولاحظ (Whigham) بأن السفن التي يصل غاطسها إلى عشرة أقدام تستطيع اجتياز الحاجز عند انخفاض المد (عند الجزر) ولمسافة خمسة أميال, بمعنى إن السفن التي يصل غاطسها إلى (20) قدما تستطيع أن تتخطى عقبة الحاجز الطبيعي في المد الأعلى, وفي عام 1910 ظهرت فكرة حفر سد الفاو من قبل مهندس ألماني بعدما اتضحت أهمية مد سكة حديد بغداد بصرة, بيد ان تلك الفكرة ولدت ميتة, وفي عام 1911 أصبح عمق القناة عند الحاجز الداخلي (23) قدما, في توقيتات المد العالي (أقصى ارتفاع للمد), وظل عمقها بالقرب من الحاجز الخارجي (23) قدما في الوقت الذي اتسع فيه عرضها هناك, ومن نافلة القول نذكر أن فرانك سترك أسس شركته المعروفة باسم STRICK LINE عام 1913, وفتح لها مكتبا في كورنيش البصرة, وهو العام الذي تم التوقيع فيه على بروتوكول القسطنطينية لتسوية الحدود لعام 1914, وتم بموجبه تعريف حدود ميناء المحمرة المتصلة بنهر (كارون) بما لا يسمح لسلطة الموانئ العراقية ببسط نفوذها على المياه الداخلية لنهر (كارون), لكنه لم يسمح أيضا بتمدد المياه الداخلية الإيرانية نحو شط العرب, وألزمها بالبقاء خلف واجهات ميناء المحمرة. .

لقد وقع السفير الإيراني على برتوكول القسطنطينية من دون تحفظ إلا انه أبدى تخوفه بعد التوقيع من احتمال حرمان السفن الإيرانية من الملاحة في شط العرب. .

وفي عام 1917 تراوحت أعماق المدخل في حدود (29) قدما باستثناء مسافات قصيرة ظلت تعيق سير السفن التجارية العابرة للمحيطات وتمنعها من الوصول إلى البصرة, وتجد الإشارة إلى إن الحاجز الغريني الخارجي الذي كان عائقا بوجه الملاحة, وكان عقبة في طريق نمو ميناء البصرة, قد تغيرت أعماقه واتجاهاته مرات عدة منذ عام 1579 إلى عام 1917 وحدث ذلك لكثرة محاولات الدخول إلى شط العرب, التي قامت بها السفن الكبيرة ذات المحركات القوية, والتي كانت تزيح الكثير من الكثبان الرملية المترسبة في القاع, وتغير من اتجاهاتها, وربما ساعدت مياه الفيضانات الكبيرة المتدفقة بسرعات هائلة نحو البحر في تغيير أعماق واتجاهات الممر المائي, وفي هذا العام أيضا كتب (Buchanan) من البحرية الهندية عن طبيعة الحاجز الغريني وامتداده مشيرا إلى إن المسالك الملاحية في مدخل شط العرب لم تكن واضحة الملامح, ولم تؤثث بالعلامات الملاحية الدالة عليها, إلا في وقت متأخر, ولم يكن يعرفها أحد سوى الأدلاء البحريين العرب (المرشدين البحريين) الذين كانوا يقيمون في جزيرة (خارك), فهم الوحيدون الذين برعوا وقتذاك في تنفيذ مهمات إرشاد السفن الأجنبية عبر ممرات شط العرب على الوجه الأكمل. فسعت الملاحة الهندية البريطانية التي كانت مكلفة بنقل البريد بين البصرة وبومباي الى وضع بعض العوامات الدالة على مسالك القناة وتوضيح مواقع الحاجز الغريني بعد عام 1917, بيد ان هذا الإجراء لم يكن مضمونا أيضا حتى قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى بسبب تردي الأعماق مرة أخرى, إذ كانت السفن التي يصل غاطسها إلى (21) قدما يتعذر عليها استئناف رحلتها إلى ميناء البصرة عبر هذه المنطقة الضحلة ما لمن تفرغ جزءا من حمولتها خارج الحاجز الغريني, وهكذا نجد ان تلك الترسبات المتراكمة في مصب شط العرب كانت هي العقبة الوحيدة التي تقف بوجه السفن الكبيرة وتمنعها من الوصول إلى البصرة, بيد ان عمليات الحفر في ذلك الزمان دخلت في مرحلة جديدة بعد المصادقة على بيان سير السفن في المياه الداخلية عام 1919, والذي تأسست بموجبه الموانئ العراقية بشكلها الحضاري الجديد, وشرعت ببناء ميناء المعقل, وميناء الفاو, ومرافئ (الواصلية) و(الخورة), فسعت عام 1923 للحصول على قرض مالي من شركة النفط الأنجلو إيرانية لشراء سفن الحفر البخارية, وتوظيفها في تعميق السد الخارجي (الحاجز الغريني), وتهذيب أعماقه, وبالاتجاه الذي يضمن تعميق الممر الملاحي الى (28) قدم في الند العالي, وتوسيعه بعرض (300) قدم, مقابل استقطاع رسوم مالية من السفن القادمة والمغادرة بهدف تسديد أقساط قرض الحفارات البخارية, التي باشرت أعمالها في العام التالي, وأصبحت قناة (الروكا) في عام 1926جاهزة مرة أخرى لاستقبال السفن العابرة للمحيطات, وافتتحت رسميا من قبل جلالة الملك فيصل الأول, واستمرت عمليات الحفر بإيقاع ثابت, وأصبحت القناة قادرة على استيعاب السفن العابرة للمحيطات بفضل الحفر والتعميق المتواصل بعد عام 1926, وبات بإمكان السفن اجتياز السد الخارجي عند المدخل, والتوجه مباشرة إلى البصرة دونما حاجة إلى إجراءات تخفيف الغاطس, وتحسنت الأعماق في طول السد الخارجي وعرضه حتى بلغت في عام 1928 (30) قدما في المد العالي, وبلغت تكاليف مشروع الحفر والتعميق للمدة من 1924 إلى 1928 قرابة (462.010) جنيها إسترلينيا, وقد اشتركت الحفارات البخارية (Liger) التي التحقت بالمشروع في كانون الأول من عام 1924, والحفارة (Tigon), التي التحقت بالمشروع في آذار عام 1925, والحفارتان تم تصنيعهما في ورشات (Wm, Simons & Co) في اسكتلنده, وفي عام 1930 صار بإمكان السفن التي يصل غاطسها الى (30) قدما اجتياز السد الخارجي والسد الداخلي والوصول إلى مدخل الفاو بانسيابية كاملة من دون عوائق, مع إقامة الدولة العراقية المعاصرة وحصول العراق على عضويته في عصبة الأمم عام 1932 كان عليه أن يواجه من جديد بمطالب إيرانية جديدة وهكذا سرعان ما دخل البلدان بنزاعات, لكن الحكومة العراقية قررت اللجوء إلى عصبة الأمم للتحكيم بين الطرفين ولم ينتج من العصبة شيئا سوى الطلب بان تبقى الأمور على ما هي عليه بين البلدين, في حين واصلت الموانئ العراقية تنفيذ خططها وتعاقدت على شراء سفينة حفر ثالثة تم تدشينها في التاسع عشر من آذار عام 1935 وهي الحفارة (Onger) وكانت لها القدرة على حفر (2000) طنا من الكثبان الرملية المغمورة في القاع في غضون ساعة واحدة, ويبين لنا الجدول التالي كميات الأطيان المرفوعة بالأطنان والياردات المكعبة من قاع شط العرب لغاية آذار 1935:-

المقطع الملاحي المحفور

كميات الحفر بالطن

كميات الحفر بالياردات المكعبة

قناة الروكا

131,116,468

98,337,351

مدخل عبادان (بواردة)

443,133

332,350

أرصفة عبادان

374,379

280,748

جنوب المحمرة

2,465,389

1,849,042

أرصفة ميناء المعقل

391,521

293,641

المجموع الكلي

134,790,890

101,093,168

 

ووصلت الأعماق في نهاية عام 1935 إلى (32) قدما, وتم تأثيث الممر الملاحي بالعوامات والإشارات والفنارات البحرية, واعتمدت الموانئ العراقية نظاما ملاحيا صارما لتحديد توقيتات دخول السفن ومغادرتها على أسس علمية وتنظيمية تفرض السيطرة على حركة القوافل المغادرة والقادمة, ووضعت مجموعة من محطات السيطرة في أماكن متفرقة لمراقبة السفن الماخرة في شط العرب, وجهزتها بالأبراج والصواري, ومعدات الاتصالات اللاسلكية, وبعد عامين من إحراز هذا التقدم الكبير, إي في عام 1937, اشترك البلدان (العراق وإيران) في حلف (مهاباد), وهو حلف امني جمعهما مع أفغانستان وتركيا في إطار إقليمي واحد, فبادر العراق إلى تحسين العلاقات الملاحية في شط العرب, لكنه لم يلق الاستجابة من الطرف الآخر, وما أن وصل عبد الكريم قاسم إلى السلطة في عام 1958 حتى عادت طهران إلى لعبتها القديمة بتقديم الدعم اللوجستي للحركات الكردية المتمردة على الحكومة المركزية في بغداد, بهدف إحراز بعض المكاسب الملاحية في شط العرب, وفي نيسان من عام 1960 أعد قسم الدراسات التابع لوزارة الخارجية البريطانية دراسة موجزة عن شط العرب, بيَّن فيها مطالبات إيران باعتماد خط (التالوك) ومنحها مكاسب إضافية في الشط, وقد تم عرض تلك الدراسة في الجزائر عام 1975, وكانت هي الأساس الذي كتبت بموجبة معاهدة 1975, ففقد العراق نصف حقوقه الموروثة في شط العرب, وبدأ العد التنازلي لتقديم المزيد من التنازلات, حتى كاد العراق أن يفقد سيطرته الملاحية والسيادية في السنوات اللاحقة على هذا النهر العراقي الأصيل, إن لم يكن قد فقدها بالفعل. .

 

في عام 1975 وقبل التوقيع على المعاهدة الكارثية, توسعت الموانئ العراقية في مشاريع الحفر البحري لتشمل مناطق السد الخارجي والسد الداخلي ومدخل الفاو, وتعاملت مع جميع أنواع سفن الحفر العملاقة , ابتداءً من السفن البخارية القديمة كالحفارة (بصرة), و(بغداد), و(كركوك), و(كربلاء), و(السليمانية), و(الموصل) ..الخ. وانتهاءً بالحفارات الحديثة المتطورة, كالحفارة (الحلة), و(المربد), و(الصمود), و(القادسية), و(الزبير), و(التحرير), و(النجف), و(الخليج العربي), و(غزة), و(سيناء), و(النصر)..الخ.

وامتلكت الموانئ العراقية أسطولاً كبيراً من سفن الحفر التخصصية, التي ساهمت في تهذيب أعماق شط العرب, ثم جاءت الضربة القاصمة عام 1980 على أثر اندلاع الحرب التي دمرت الموانئ العراقية كلها, وأخرجتها من الخدمة, وأغرقت أسطول الحفر كله, فصار مصير قناة (الروكا) بيد التيارات المائية المتقلبة, التي راحت تمارس هوايتها في الهدم والنحت والإرساب والترسيب والتعرية والتجريف, فتغيرت مسالك الدخول إلى شط العرب من جهة البحر, وزحفت الممرات الملاحية المحفورة في السد الخارجي نحو الجهة العراقية, فتقدمت السواحل الإيرانية على حساب السواحل العراقية المتراجعة, واستمر التراجع الطبيعي في مدخل شط العرب منذ عام 1980 وحتى يومنا هذا (2012), وصارت إيران هي التي تضع العلامات الملاحية التي حددت شكل الممرات الملاحية وأطوالها وأبعادها, وكاد الانحراف يهدد مصير ميناء خور العمية, خصوصا بعد ان وصل الزحف إلى مقترباته, ما شجع إيران على المطالبة بضم ميناء خور العمية إلى المياه الإقليمية الإيرانية, وفقد شط العرب اسمه وهويته, وصار يعرف في الخرائط الملاحية العالمية باسم (أروند رود),

 

من خلال ما تقدم يتضح لنا إن شط العرب مر بثلاث مراحل قاسية, المرحلة الأولى تلخصت بالصراع العثماني الفارسي المتفجر بالحروب والمواجهات العسكرية, والمرحلة الثانية تمثلت بالغزو البريطاني بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى, والمرحلة الثالثة جاءت بعد استقلال العراق, وتصدي حكوماته الوطنية للمطامع الإيرانية المتكررة في شط العرب. .

ولو كان لقناة الروكا لسان ناطق لكشفت لنا عن أسرارها وهمومها, وحدثتنا بحكايات لا حصر لها عن الأساطيل العملاقة التي مرت بها في القرون الماضية, ولتكلمت بلغة عربية فصيحة عن لوعتها وغضبها على ما حل بها من خراب وما لحق بها من دمار, لكنها وللأسف الشديد مازالت تنام هناك نومة اللحود في قبرها الذي دفنته بها تراكمات الأطيان ونفايات الحروب . وحتى شواهد قبرها لم تسلم من عبث العابثين الذين أزالوا بقايا الفنارات الدالة عليها, واقتلعوها من جذورها, ولم يتبق لها أي شاهد سوى الرافعة البحرية العملاقة عنترة التي ساقتها الأقدار لتتعرض للغرق عند مدخل شط العرب. .

 

 

عودة الى المحتويات

 

 

 

طمس متعمد لتل اللحم

 

جريدة المستقبل العراقي 16/5/2012

 

 

كاظم فنجان الحمامي

 

انتهكت القوات الغازية حرمة (تل اللحم) منذ اليوم الذي غزت فيه العراق, وتعمدت تشويه معالمه, فطمست ملامحه, وجردته من اسمه, حتى صار (طليل) هو الاسم الجديد الدال على هذا الموقع السومري العريق. .

اسم مستهجن لا جذر له, ولا صلة له بتاريخ وجغرافية ولغة وتراث العراق وأهله. ومن المرجح إن اللوحة المرورية الوحيدة, التي كانت تحمل اسم المكان (TALL-AL-LAHAM) قد تعرضت للعبث, وفقدت المقطع الأخير من الاسم. فأصبح الاسم (TALL-AL). وخصوصا أن الأسماء المرورية, المنتشرة في الطرق الخارجية, تتعرض من حين إلى آخر للتلف والفقدان. كونها مصنوعة من الملصقات البلاستيكية المرنة القابلة للتلف. وربما تعمد الأمريكان اختزال الاسم, وحذف المقطع الأخير منه. فصار الاسم الجديد (TALL-AL). ثم كتبوه على مزاجهم. هكذا (TILLIL).

ولجئوا بعد ذلك إلى تعميم الاسم بين وحداتهم العسكرية الغازية. فشقلبوا الاسم وثبتوه على خرائطهم التعبوية, البرية والجوية. وتناقلته فيما بعد وكالات الأنباء عبر جميع وسائلها المتاحة. لكن المثير للدهشة والغرابة إن جماعتنا تعاملوا مع الاسم المستحدث بسذاجة لا تخلو من غباء. ومازالوا يكتبونه في مراسلاتهم ومخاطباتهم الرسمية. ومن دون إن يلتفتوا إلى أن الاسم (طليل), الذي صنعته ارتال وثكنات الجيوش الغازية. لا ينتمي إلى هذه الربوع, التي كانت مستقرا حضاريا لسلالات سومرية عديدة, منذ سلالة أور الثالثة (2113 ق . م ). واتسع المكان في الفترة البابلية القديمة والوسيطة والحديثة ( الكلدانية ). ثم استمر بالنمو والاتساع في العهد الفيرثي ولغاية العهد الإسلامي. وكانوا يطلقون على تل اللحم Ku'ara)). ثم (Kisiga) بالسومرية. وتعني بوابة القصب. فيما أطلق عليه (درم) في الفترة الأكدية. وأطلق علية في الفترة الكلدانية (بيت باقين). أو (بيت سالميني). وما زالت الجامعات الأوربية والأمريكية المعنية بدراسة تاريخ وادي الرافدين, تستخدم .(Kisiga) أو(Ku'ara) في الإشارة إلى تاريخ تل اللحم.

فلماذ إذن هذا التمادي والإصرار على طمس كل الأسماء المرتبطة بالسلالات الإنسانية القديمة المنبعثة من بلاد ما بين النهرين ؟؟. ثم أما آن الأوان أن تلتفت مؤسساتنا المدنية والعسكرية لهذا الخطأ التاريخي الفادح. وتهرع لتصحح هذا اللبس المخجل. وتعيد للمكان هيبته المنتهكة. وتتصدى لتلك المحاولات الخبيثة الرامية إلى شطب سجله الضارب في عمق التاريخ, وتجريده من هويته المكانية ونكهته الزمانية. ثم أن اسم (تل اللحم) من الأسماء التي تبعث على الفخر والاعتزاز. فقد دارت في قلب هذا المكان معارك تاريخية حاسمة. وسجلت هنا مآثر بطولية خالدة. فبعض المراجع ترى إن (تل اللحم) سمي بهذا الاسم نسبة إلى الشيخ (شلاش ابن عمر بن الحميدي الشمري), الذي كان كرمه لا يجارى في حينها (سنة 1850), وما بعدها. وما يقدمه للضيوف من طعام على هيئة (تل). وكان للشيخ ثأر مع عائلة آل صباح فسكن هنا. ولما أدرك ثأره ارتحل إلى منطقة عكركوف. وترى مراجع أخرى انه سمي بهذا الاسم نسبة لتراكم جثث القتلى في المعارك, التي اندلعت هنا, في العصر العثماني وما بعده. نذكر منها المعركة التي دارت رحاها عام 1899 بين عشائر المنتفك بقيادة الشيخ عجمي السعدون, وعبد العزيز بن متعب الرشيد (أمير حايل آنذاك). فقد انتصر (الرشيد) في الجولة الأولى من المعركة. واحتل معسكر المنتفك في (الخميسية). ثم تحقق النصر للمنتفك في الجولة الثانية والأخيرة. فاسترجعوا (الخميسية), وطردوا رجال (الرشيد) من تل اللحم.

ونذكر منها أيضا معركة أخرى دارت رحاها عام 1921 بين قبيلة (الظفير) و(الأخوان), والتي حسم النصر فيها لقبيلة (الظفير). ونستعرض هنا مقاطع من القصيدة النبطية, التي ارتجزها الشاعر (سند الحشّار) بعد انتهاء المعركة:

 

)تـــل الـلـحـم) يـــوم الطـوابـيـر تــرقــاه
ماج (الدويش) ولابته و(النصافـي(
الـيـوم جـونـا طلـعـة الشـمـس بـضـحـاه
هـــج الـهـجـيـج وصــوتــوا بـالـعـوافـي

دون الـمــحــارم والـبــيــوت الـمـبــنــاه

روس كـمــا الـدبـشـي لـيــال الـقـطـافـي

كــــم واحــــد لـلـمــوت حــنــا جـلـبـنــاه
بالـمـذبـحـة تـسـفــي عـلـيــه الـسـوافــي

 

أما القاعدة الجوية العراقية الواقعة في المكان نفسه. فكانت تحمل, منذ تأسيسها, اسم أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب). لكن الغزاة واصلوا ارتكاب حماقاتهم ونزواتهم وخزعبلاتهم. وأطلقوا اسم (طليل) أيضا على القاعدة ومقترباتها.

ومما يزيد الطين بلة إن معظم صحفنا المحلية وفضائياتنا, التي صارت تتكاثر بالانشطار, مازالت مستمرة في تنفيذ سياسة التهميش التي رسمتها الجيوش الغازية, وطبقتها في هذا المكان. ولم تصدر منهم صيحة واحدة تستنكر وتحتج على هذه الانتهاكات, التي ارتكبتها جيوش الاحتلال, والتي استباحت مدينة (أور) برمتها. وانتهكت حرمة (مسقط رأس) سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام. فحفرت خنادقها التعبوية, وبنت ثكناتها, وتحصيناتها العسكرية, وأنشأت سواترها الترابية في هذه المنطقة التاريخية الفريدة. وذكرت عالمة الآثار الألمانية (مرغريت فان أس). إنها أصيبت بالذهول حينما رأت الصور, التي التقطتها الأقمار الصناعية لمدينة (أوروك). فقد عبثت الآليات الحربية الأمريكية والايطالية بالمدينة الأثرية, وشوهت معالمها النادرة. وذكرت التقارير أن الربوة, التي شيدت عليها مدينة أور تضررت كثيراً بسبب إنشاء ما يسمى بمعسكر (طليل). وما يحز في النفس هنا. هو مشاركة مؤسسات عراقية كثيرة في نشر الأسماء التي أطلقتها جيوش الاحتلال على مناطقنا. والمضحك المبكي إن بعض التشكيلات العسكرية الوطنية تستخدم الأسماء المستهجنة من دون أن تدرك أبعاد ونتائج هذا التشويه المتعمد. ولا نحتاج إلى التذكير أن ديننا الحنيف وعروبتنا ووطنيتنا وشهامتنا تحتم علينا رفض التعامل مع مسميات المحتل. وليعلم الجميع ان هذا التحريف المرفوض لمنطقة (تل اللحم). سواء أكان مقصودا أم غير مقصود. سيؤثر على سجل المكان ومستقبله, وسيؤدي إلى اندثار الملامح التراثية والثقافية والجغرافية. وقد يبدو الأمر أحيانا وكأنه لعبة مقصودة. وإلا فما معنى استبعاد الأصل العربي عند الإشارة لهذا المكان؟ . ومتى كان باستطاعة الغزاة تحريف تاريخ وتراث الشعب المحتل أرضه ؟. ثم ألا تخجل مؤسساتنا الحكومية من ربط واقع المكان بهذا الاسم المقزز ؟. وأخيرا نذكر. أن تاريخنا الحديث والقديم يحمل في صفحاته أعدادا لا يمكن حصرها من أسماء الأنبياء والأئمة والشهداء والقادة والعلماء والأبطال.‏ فهل فيهم من يحمل اسم (طليل) ؟؟. .

 

عودة الى المحتويات

 

 

 

 

 

ديمقراطية الإخوة الأعداء

 

جريدة المستقبل العراقي بغداد في 18/6/2012

 

كاظم فنجان الحمامي

 

 

لا أحد يعرف حتى الآن كيف نجتاز الأزمة الراهنة, التي باتت تهدد وجود الدولة العراقية, ولا احد يدري متى نضع أقدامنا على طريق المستقبل في ظل هذا التنافر الحاد بين الإخوة الأعداء. .

لقد خاض الشعب العراقي في العقود الماضية معترك الأزمات الخانقة, وتجاوز أصعب التجارب, في متواليات المصائب المأساوية, التي تجرع فيها السم الزعاف على جرعات قاتلة, جرَّب فيها نكبات الحروب الطويلة, وجرَّب تداعيات الأنظمة الملكية والجمهورية والانتقالية, وجرَّب ويلات الثورات والانقلابات والانتفاضات, وجرَّب خناجر الحصار الاقتصادي, وجرَّب شظايا القرارات الدولية التعسفية, وجرَّب كوارث الغزو والاحتلال, لكنه لم يواجه في تاريخه أية تجربة تهدد مصير الدولة العراقية مثل هذه التجربة, التي وصلنا إليها بمعاول الإخوة الأعداء, عندما قادونا إلى بوابات مغلقة بكتل خراسانية لا نعرف كيف نزيحها, والسبب الأساسي إنهم عجزوا عن فهم الأدوار المنوطة بهم, ولم يدركوا حتى الآن إن التغيرات الديمقراطية المطلوبة ينبغي أن تكون في الحقائق, وليس في المواقع, بمعنى إن الدولة وبنيانها ومؤسساتها هي التي ينبغي أن تتغير نحو الأفضل, وليس مجرد إعادة توزيع السلطات بموجب الحصص المقررة في الدهاليز المظلمة, ولم يعلموا بعد إن الدولة نفسها هي القضية المحورية في التغيير الأكبر, وليس المناصب والمواقع السلطوية الزائلة, ولم يدركوا بعد إن تمجيد الأشخاص وتأليههم لا علاقة له بمنطق العمل الديمقراطي المتحضر. .

بات من المسلم به إن بريق الكراسي العليا, والسباق المحموم نحوها هو الذي هيمن على عقول معظم الكيانات المتناحرة, وهو الذي قادها إلى منزلقات الضياع تحت تأثير مغريات السلطة وغواية الاستحواذ عليها, وهو الذي بعث فيهم أحلام جلجامش في البحث عن سر العظمة, وهكذا وجد الإخوة الأعداء أنفسهم في خضم الماراثون المصيري للفوز بالسلطة, ولم يدركوا إن أهدافهم الوطنية ينبغي أن تتلاحم وتتعاظم في تفعيل مشاريع بناء العراق, والانتقال به من حال إلى حال.

لقد تصور الإخوة الأعداء إن الديمقراطية تعني التقافز فوق كراسي الحكم من سلطة إلى سلطة, وليس من دولة إلى دولة, فانحرفت مسارات مفاهيمهم الخاطئة نحو مستنقعات التخبط بين مفهوم السعي لإعادة بناء الدولة, ومفهوم السعي للحصول على الفرص المتاحة في أجواء المحاصصة السلطوية, وهذا هو سوء الفهم الذي وقع فيه الإخوة الأعداء بسبب تهافتهم على السلطة, فشحذوا هممهم للفوز بالجولة, وأهملوا الدولة, وفرطوا بمستقبلها. .

وبواقع الأمور فان تصرف الإخوة الأعداء جاء من داخل صناديق الاقتراع, أي بمنطق الانتخابات (الدستورية), التي جرى التصويت فيها في أجواء ملبدة بسحب الحماسة الطائفية والعشائرية والعرقية, من دون أن يسألوا أنفسهم عن خطوات الانتقال من (ماذا ؟) إلى (ماذا ؟), ومن اجل (ماذا ؟), ولماذا ؟؟؟. واكتشفنا بعد انتهاء الانتخابات إن ما جرى هو مجرد إعادة توزيع للحقائب الوزارية, فتوسعت دائرة شكوكنا بها, لأنها اقتصرت على تأثيث المراكز القيادية بالكراسي البديلة, من هنا لابد لنا من البحث عن القواعد السياسية المبنية على الأسس الصحيحة لضبط التوازنات في الممارسات الديمقراطية, وصيانتها من الانحرافات المزاجية المتوقعة, التي قد تخلقها ظروف الصراع العقيم بين الإخوة الأعداء, أو قد تولدها تداعيات الشد والجذب والعناد المتفجر في مناخات تتحكم فيها العقد الطائفية, فالفتن التي تتخفى اليوم وراء قناع الدين صارت هي التجارة التخريبية الرائجة في هذا الزمن الهجين . .

والله يستر من الجايات

 

عودة الى المحتويات

 

 

 

 

 

 

مزهر الشاوي يعود إلى البصرة

 

جريدة المستقبل العراقي 6/6/2012

 

 

كاظم فنجان الحمامي

 

عاد المصلح الوطني الكبير مزهر إسماعيل الشاوي إلى مدينة البصرة مساء يوم الثاني من حزيران من عام 2012, وكان بانتظاره حشد كبير من العاملين في الموانئ العراقية, استقبلوه هناك في حفل مهيب أقيم له بمناسبة إزاحة الستار عن نصبه التذكاري بجوار السفن الراسية على أرصفة ميناء المعقل, كان محافظ البصرة الدكتور خلف عبد الصمد على رأس المستقبلين, ووقف معه المدير العام للموانئ العراقية, ومدير شرطة البصرة, ومدراء موانئ أم قصر, والمعقل, وخور الزبير, وأبو فلوس, ومدراء الأقسام والشعب البحرية. .

عاد مزهر لكي يعيد عقارب الساعة إلى زمن الازدهار والتألق, ويجدد مسيرة الإبداع والتميز التي أرتقت بالموانئ العراقية حتى بلغت بها في ستينيات القرن الماضي أعلى المراتب, فتفوقت على الموانئ الأوربية والأمريكية واليابانية. .

كانت الموانئ العراقية في زمنه رمزا دوليا من رموز التعامل الحضاري المرن مع خطوط الشحن البحري, وكانت المعقل في زمنه عبارة عن مزهرية كبيرة مزدانة بالمتنزهات الوارفة الظلال, والأحياء السكانية الحديثة التي تتخللها الحدائق والأماكن الترفيهية العامة, لم يكن (مزهر) منتميا إلى فئة سياسية, ولم يكن متحيزا لحزب ما, ولم يكن طائفيا أو متعصبا لقومية ما, أو لطبقة من طبقات المجتمع, بل كان عراقيا نزيها متعففا صادقا مخلصا لوطنه, قريبا من فقراء البصرة, متعاطفا مع الفلاحين الذين نزحوا من ميسان بعد تحررهم من قيود الإقطاع الزراعي, فجاءت التوسعات الهائلة التي شهدتها الموانئ وقتذاك متوافقة تماما مع حجم العمالة الوافدة إليها من خارج المحافظة, وكانت مبادرة (مزهر) ببناء مدينة الأُبِلَّة الأولى, ومدينة الأُبِلَّة الثانية, ومدن حطين, والكندي, وحي طارق, والمسفن, والفاو, والنجيبية, ودور أم قصر, والحي المركزي, والتوسع الهائل الذي شهدته المدينة في بناء المساجد, والمدارس, والمكتبات, والمسابح, والقاعات الرياضية, ودور السينما, وتأسيس الفرق الموسيقية, كانت كلها بمثابة الحلم الذي نقل الفقراء الفارين من الجحيم إلى الجنة, ونقلهم من البؤس إلى الترف, ومن الضيق إلى الفرج. .

لقد وفرَّ لهم (مزهر) أجمل مستلزمات الأمن والاستقرار والعيش الرغيد, ووفر لأبنائهم فرص الدراسة في أرقى المعاهد والكليات البريطانية, كانت معايير التنافس بين الطلاب في زمنه قائمة على العدل والإنصاف, وكانت الفرص متاحة للجميع من دون أي تميز بين ابن الغني وأبن الفقير, ومن دون الخوض في الفوارق الطائفية أو العرقية أو الطبقية, فالكل سواسية في النهج الذي اعتمده (مزهر) نحو تطبيق الأسس الصحيحة في إدارة الموانئ العراقية, حتى بلغت في ذلك الزمن أرقى المراتب العالمية, ولسنا مغالين إذا قلنا إن مدينة المعقل كانت تضاهي ضواحي فيينا من حيث الهدوء والجمال والنظافة والتنظيم, كان عمال الأرصفة يتدفقون نحو بوابات الموانئ في ساعات الذروة بدراجات هوائية حديثة مصنوعة خصيصا لهم في معامل (فيليبس), يرتدون بدلاء العمل وواقيات السلامة, ينتعلون أفضل ما أنتجته معامل (بـــاتـــــا) اللندنية من الأحذية الجلدية الطبيعية, يعتمرون أرقى القبعات الرمادية الأمريكية. .

كان (مزهر) مثالا رائعا من أمثلة العفة والنزاهة, كرس اهتماماته كلها لخدمة أبناء الشعب العراقي, وتفانى في تقديم أسمى درجات العطاء على كافة الأصعدة, إلى المستوى الذي فكر فيه ببناء منتجع ترفيهي لموظفي الموانئ في مصايف أربيل على نفقة مصلحة الموانئ العراقية, فكتب إلى وزير النقل (حسن الطالباني), للحصول على موافقته في المباشرة بالتنفيذ, كان الوزير نفسه من الناقمين على انجازات مزهر, فجاء جوابه بالرفض, فكتب (مزهر) في تعليقه على رفض الوزارة العبارة التالية: (الحكومة حكيمة), كان (مزهر) أديبا شاعرا, يميل إلى صياغة هوامشه الإدارية بطريقة لا تخلو من الطرفة والمداعبة, كتب ذات يوم على مذكرة غياب مدير إدارة الدائرة القانونية (فرج فرنسيس) التعليق التالي: ((لا حرج على فرج, يعفى فرج), فصار هامشه هذا مثلا شعبيا يردده الناس حتى يومنا هذا (لا حرج على فرج). .

كان رحمه الله رائدا اجتماعيا من الطراز الأول, وكانت له لمساته التشجيعية التي لا تنسى, أذكر انه كان يقيم مسابقة سنوية للأم المثالية التي أنجبت العدد الأكبر من الأبناء, ونجحت في رعايتهم وتربيتهم, كانت الجائزة السنوية عبارة عن سوار من الذهب المطعم بالجواهر, وكانت السيدة (أم جمال) زوجة الأستاذ عزيز هرمز أول من استحق السوار الذهبي لأنها أنجبت عشرة من الأبناء, نذكر منهم نجلها الأكبر جمال, وسهيل (مدرس وبطل بالسباحة), وأولادها وليد (موظف بالصحة), وعصام (مدرس) وغسان, وسعد (موظف) وسناء. .

حضر أبناء المعقل مساء هذا اليوم 2/6/2012 ليحيوا حفل إزاحة الستار عن تمثال هذا الرجل الذي مازالت أعماله الجليلة تتحدث عنه في كل زاوية من زوايا المدينة, كنت أنا عريف الحفل, وكانت تردني اتصالات هاتفية من البحرين والسعودية, منهم الكابتن فهمي حمود السعدون من الذي رافقوا الحدث عبر اتصالاته الهاتفية المباشرة, حضرت وكالات الأنباء كلها, وسجلتها عدسات الفضائيات العراقية, وانتهزت الموانئ العراقية هذه المناسبة لتكرم نخبة من الرواد الذين عاصروا مزهر الشاوي, كان في مقدمتهم رئيس ربابنة المرفأ الكابتن (صلاح إبراهيم شكوري), وربان الموانئ النفطية الكابتن (طارق محمد حمزة), والمرشد البحري الأقدم (أياد مصطفى ولي), والربان (هاشم غني محمد حسن), والمرشد البحري (عبد السلام عبد الرسول الصالحي), وكابتن نادي الميناء والمنتخب الوطني في ستينيات القرن الماضي, اللاعب الدولي الكبير (كريم علاوي), شارك في هذه المناسبة نخبة من الشعراء والفنانين, من بينهم الفنان الكوميدي الشامل (هاشم سلمان), الذي جاء من بغداد, وأصر على تقبيل أيادي الرعيل الأول من الربابنة والمرشدين البحريين الذي أسهموا في بناء مجد الموانئ العراقية في عصر الازدهار الذي صنعه (مزهر). .

ختاما لابد لنا من تقديم أسمى عبارات الشكر والتقدير لرئيس المهندسين المبدع السيد (علي خريبط) على مبادرته الرائعة, التي عبرت عن وفاء أبناء البصرة لمزهر الشاوي, ولتغطيته تكاليف هذا النصب التذكاري الجميل, الذي سيعيد إلى البصرة صورتها المينائية المشرقة على ضفاف شط العرب. .

 

 

عودة الى المحتويات

 

 

 

 


 

 


 

تناقضات عراقية صارخة

 

 

جريدة المستقبل العراقي في 10/5/2012

 

 

كاظم فنجان الحمامي

 

نحن نغضب دائما, وتتوتر أعصابنا بسبب الاختناقات المرورية في التقاطعات, لكننا نضع أعصابنا في ثلاجة عندما تتكرر أمام أعيننا المشاهد المؤلمة لظاهرة تسول الأطفال في التقاطعات المرورية. .

 

ونغضب أشد الغضب لمنظر امرأة لا ترتدي حجابا, ولا نغضب لمنظر طفل لا يرتدي حذاءً. .

 

ونغضب كثيراً عندما يفشل مرشحنا في الانتخابات, لكننا لا نغضب ولا ننفعل عندما تتراكم ملفات الفساد فوق رأس ذلك المرشح الحنقبازي, الذي خذلنا, وأساء إلينا, وبصق على نفسه. .

نستصعب تسديد ما بذمتنا من ديون, ونستكثر دفع الحد الأدنى لمن يستحق المساعدة من الفقراء والمحتاجين, لكننا نستسهل دفع الرشوة متى ما طلبوا منا ذلك, من دون أن نحتج أو نغضب أو نرفض. .

نمارس طقوسنا الدينية في الشوارع العامة ولله الحمد, ونجتهد من مناسبة إلى أخرى في تحسين طقوسنا المتجددة والمستوردة والمخلدة, لكننا لا نتردد عن إغلاق الشوارع والطرق العامة بكل الأساليب المباحة والمتاحة, ونتمادى في عرقلة سير المركبات, وربما نجبرها على تغيير مسارها, أو نمنعها من الحركة حتى لو كانت المركبة سيارة إسعاف تنقل مصابا إلى المستشفى, أو عربة إطفاء في سباق مع الزمن لإخماد النيران المشتعلة وسط الحي. .

 

نعيش في عصر يهتم فيه بعض أصحاب المواقع العليا بمظهرهم لا بجوهرهم, فنراهم كيف يتلاعبون بتضاريس وجوههم وجباههم, يضعون الأقنعة التنكرية لتغطية ملامحهم الحقيقية, يتخذون ماكياج التدين والوقار الزائف كبطاقات ترانزيت لعبور بوابات النصب والاحتيال, أو لاستغلال سذاجة الناس وطيبتهم, تمهيدا لتحقيق مآربهم الدنيوية, ونيل المناصب والدرجات الرفيعة, فانحصرت أدوات التظاهر الشكلي بحلاقة الشوارب, وإطلاق اللحى, وكي الجباه, والتباهي بتنويع الخواتم الكبيرة والصغيرة, وترديد بعض العبارات المشفرة, والكلمات المنمقة, وإظهار الشدة والصلابة المفتعلة عند التعامل مع عامة الناس, والتمسك بالقشور إلى درجة المبالغة في استعراض صور نمطية منسوخة من قوالب كاريكاتيرية متناظرة, حتى صار من المألوف مشاهدة الكثير من هذه النماذج المتخشبة, من الذين أساءوا للدين والتدين بحركاتهم المصطنعة, يتسترون بالدين, ويتظاهرون بالورع والتقوى, ويستبطنون الكفر والفسوق والعصيان, فاستغلوا الدين وقودا لإشعال فتيل الصراعات السياسية, وتأجيج نيران الفتن الطائفية, واتخذوه جسرا تكتيكيا عبروا فوقه إلى مواقع التسلط, تبرقعوا ببرقع الإيمان المزيف وهم ابعد ما يكونون عن الدين وعن طاعة رب العالمين. .

ربما تكون مؤسساتنا الرسمية من أكثر المؤسسات التي يتشدق مدرائها بأحاديث الوعظ والنصح والإرشاد والتحلي بمكارم الأخلاق, والتعامل الحسن مع المراجعين, وربما تكون من أكثر المؤسسات تمسكا بمظاهر الورع والتقوى, حتى يُخيل إليك أنك تعيش في أجواء المجتمع المثالي, وتحلق في فضاءاته المزينة بسحب العفة والنزاهة في الوقت الذي تمارس فيه معظم مؤسساتنا أبشع أساليب الابتزاز والتعامل الجاف مع المراجعين. .

نحتل موقع الصدارة بين أقطار كوكب الأرض في استيراد هذا الكم الهائل من أجهزة الهواتف النقالة بشريحة أو بشريحتين, بعدسة أو بعدستين من باب التباهي والوجاهة والإسراف, فانشغلنا بهواتفنا من الصباح إلى المساء, وتعالت جدران العزلة بيننا, ولم نعد نتحدث مع بعضنا البعض حتى تحت سقف الأسرة التي تجمعنا. .

 

استوردنا من السيارات الحديثة فوق طاقة شوارعنا الاستيعابية, حتى تكدست عندنا بأعداد وأحجام وموديلات لا تخطر على بال الجن الأزرق, لكننا لم نفكر في يوم من الأيام ببناء معملا واحدا لإنتاج قطع الغيار, ولم نخطط لتصنيع بعض الأجزاء الصغيرة في السيارة كالمصابيح والإكسسوارات الخارجية والمقاعد الداخلية. .

عندما نسافر خارج البلاد نتصرف وكأننا ملائكة غادرت أسوار المدينة الفاضلة لنعلن للعالم عن التزامنا الروحي والأخلاقي بالأعراف والأنظمة والقوانين المرعية في البلدان التي نزورها, لكننا سرعان ما ننقلب على أنفسنا ونعلن تمردنا على كل الأعراف والتقاليد والأنظمة حالما نعود إلى بلادنا, فنلجأ إلى ممارسة هواياتنا الفوضوية في البيت والسوق ومكان العمل, ويحلو لبعضنا العودة إلى العصور البدائية عندما يتبجح بانتماءاته العشائرية المتحجرة. . .

ليس المهم ما نحمله من ذكاء ومواهب ومهارات ومؤهلات وقدرات علمية وإدارية ومهنية حتى نتبوأ المراكز التي تليق بمؤهلاتنا الأكاديمية والمهنية, المهم هو كيف نستفيد من ذكائك في التسلل إلى تنظيمات الأحزاب المتنفذة حتى نمتطي خيول المحاصصة, فنجمح بها كيفما نشاء لنتغلب على من هم أكفأ منا, وأفضل منا, وأقدم منا, وأنزه منا. فالغاية تبرر الوسيلة في معظم هياكل شركاتنا ومؤسساتنا, وبات باستطاعتنا تحقيق المزيد من القفزات الإدارية في غابات المناصب الزئبقية, التي أصبحت متاحة الآن لمن يريد التقدم على حساب غيره في هذه الفوضى الإدارية العارمة, التي اجتاحت مدننا وأريافنا, بعدما فجرتها النزعات الطائفية والمذهبية والقومية والعشائرية والتنظيمية.

 

 

 

عودة الى المحتويات

 

 

المعقل الأجمل والمعقل المُبَهذَل

 

جريدة المستقبل العراقي / بغداد في 3/4/2012

 

كاظم فنجان الحمامي

 

المعقل, واسمها المُحرف (ماركيل), اما اسمها المثبت في خرائط عقارات الدولة فهو (كوت الإفرنكي), واحدة من أجمل المدن العراقية, وأكثرها جاذبية في منتصف القرن الماضي, لم تكن تختلف كثيرا عن القرى الوادعة في الريف الانجليزي, بل تكاد تكون نسخة منها من حيث الهدوء والجاذبية والمنازل المتفرقة المعروفة بطابعها الأوربي القديم. .

ازدهرت هذه المدينة وأخذت تتفوق على مثيلاتها من مدن البصرة ابتداءً من عام 1919, وهو العام الذي تحسنت فيه صورة التجمعات السكانية في الموانئ العراقية بعد الحرب العالمية الأولى, فصارت المعقل هي الوجهة المفضلة للباحثين عن الهدوء وسط الطبيعة الخلابة, وهي الملاذ الذي يمنحهم متعة التنقل بين جنبات طرقاتها وحدائقها وقناطرها الخشبية الصغيرة, وهي المنتجع المفتوح لطواقم السفن التجارية المترددة على مينائها, الذي كان سيدا لكل الموانئ والمرافئ في حوض الخليج العربي من دون منازع. .

بنيت معظم بيوتها على النمط الانجليزي, وازدانت شوارعها بأشجار النخيل والكالبتوس والسدر, وتزينت أرصفتها بأزهار القرنفل والنرجس والبنفسج والياسمين, وطفت زنابق الماء على جداولها المنسابة نحو شط العرب, في نظام فريد يستمد طاقته الطبيعية من حركة المد والجزر في الليل والنهار, اما العطر الذي كان يعبق بشذاه في ليالي هذه المدينة المينائية الجميلة فهو عطر أزهار ملكة الليل, وكأنه هويتها وعلامتها الفارقة التي لا تنسى. .

كان شارع (إجنادين) قطعة من الجنة بأشجار البرتقال والمشمش والسفرجل, كان عبارة عن فردوس طبيعي تعشش فوق أغصانه أجمل أنواع العنادل المغردة, ويغفو في ظلاله الحمام واليمام, لا يملك المتجول في هذا الشارع إلا أن يتأنى في سيره, ويبطئ حركته حتى لا تفوته فرصة التمتع بجاذبية المكان الذي جمع الجمال كله في صورة شارع الأحلام (شارع إجنادين). .

توفرت للمعقل كل مستلزمات الرقي في المدة التي صار فيها (مزهر الشاوي) مديرا عاما لمصلحة الموانئ, فمنحها وقته كله, حتى أصبحت عنوانا بارزا من عناوين الرخاء, بنواديها الترفيهية (نادي البورت كلوب, والرياضي, والأرمن, والسكك), وقاعاتها الرياضية, ودورها السينمائية, ومسابحها الثلاثة (مسبح البورت كلوب, مسبح المطار, مسبح التشاينا كامب), ومكتبتها العامة, ومساجدها العامرة, وحدائقها الشعبية ( الأندلس, الجمهورية, البيت الصيني, السندباد, النجيبية, الشاطئ), ومشاتلها الواسعة, ومدارسها التي كانت أنموذجا للمدارس الحديثة بمختبراتها ومسارحها وساحاتها وقاعاتها الدراسية), وانفردت بملاعبها الكبيرة, التي شملت الألعاب كلها, لكنها تميزت بملاعب التنس الأرضي, وكرة القدم, والسلة والطائرة, وقاعات رفع الأثقال. .

وربما كانت مكتبتها العامة هي المكتبة الأكبر والأضخم بما تحتويه من كتب ومراجع نادرة. لقد كانت تأتيها المجلات والصحف الأجنبية من أوربا محمولة على الطائرات المترددة على مطار شط العرب. .

اما اليوم فقد تحولت هذه المدينة الرائعة إلى مكب للنفايات, ومأوى للكلاب السائبة, وملاذ للقطط الضالة, فتساقطت أشجارها, وتهدمت مكتبتها, وتفحمت حدائقها, واختفت مسابحها, وتحطمت دورها السينمائية, وأغلقت نواديها الترفيهية, وتشوهت شوارعها, وتوقفت جداولها عن الجريان, فتحولت إلى برك تعج بالنفايات والمياه الآسنة. .

صارت حدائق البيت الصيني متاحة اليوم لمن هب ودب, خصوصا بعد أن شملتها ظاهرة الحواسم, فتكاثرت على أرضها التجاوزات السكانية, وبات من حق أي مواطن أن يشيد بيته عليها بالطريقة التي يراها مناسبة, وفي الموقع الذي يختاره بنفسه, وبالمساحة التي تلبي احتياجاته, واستطالت معاول التجاوزات لتشمل ضفاف الأنهار والجداول, وتتوغل إلى الساحات والملاعب العامة, وتتطاول على محرمات المدارس. .

ثم زحف الخراب نحو شارع إجنادين, فتحول في الليل إلى وكر للأشباح والكلاب المستذئبة, ولا يملك المتجول بسيارته ليلا في هذا الشارع إلا أن ينطلق بأقصى سرعته حتى لا يعرقله الهجوم الذي قد تشنه عليه الكلاب العدوانية الضالة. .

اختفت السينما الشتوية من شارع إجنادين, وتعفنت الأحواض المخصصة للسباحة, وصارت دار السينما الصيفية حظيرة للأبقار. .

 

ذهبت قبل بضعة أيام إلى شارع الملعب, والذي كان يضم اكبر ملاعب البصرة لكرة القدم والسلة والطائرة, وتقع فيه القاعة المخصصة لنادي الميناء الرياضي, وهي قاعة ترفيهية كانت تقام فيها الأعراس والاحتفالات, تقابلها باحة صيفية مفتوحة, تطل على الملاعب الرياضية من جهة, وعلى دار السينما الصيفية من جهة أخرى, وكانت تجري فيها سحبات لعبة (الدنبلة), اما اليوم فقد تحولت القاعة الشتوية إلى مأوى عشوائي للأسر الفقيرة, فتكدست بيوت الصفيح والتنك في الساحة المخصصة للسينما, وفي الباحة الصيفية للنادي. .

 

 

ربما كانت المدينة الترفيهية الجديدة (بصرة لاند) هي النقلة المعمارية الوحيدة, التي شهدتها المعقل بعد سبات طويل دام نصف قرن, وشاءت الأقدار أن يتولى رجل من أهلها مهمة إحياء المدينة القديمة في مشروع استثماري ضخم, كان منصور بن زايد السكيني (وهو من مواليد 1963) من الذين ارتبطت ذكرياتهم في مرحلة الطفولة بدواليب حدائق الأندلس ومدينة ألعابها, وكان شاهدا على مراحل تدهورها نحو الأسوأ, فعاد إلى ملاعبها في ربيع عام 2009, ليزيح عنها آثار الخراب والدمار بجهوده الذاتية, ويرفع عنها التجاوزات, وينشأ في الموقع نفسه مدينة معاصرة تضاهي المدن الترفيهية في عموم العراق, حتى أصبحت اليوم هي النافذة الترفيهية الأولى في البصرة, وكانت إحدى النوافذ السياحية, التي أعادت الفرحة إلى النفوس المحرومة, المثقلة بالهموم والمآسي. .

 

وسيعود إليها الرجل الذي ازدهرت في عصره المعقل مُجَسدا في نصب تذكاري يقف على حافة ناصية شارع (مالك بن دينار) عند بوابة إعدادية المعقل للبنات, على مسافة ليست بعيدة عن مقر المؤسسة العريقة, التي حملت صولجان سلطة الموانئ العراقية منذ عام 1919 وحتى يومنا هذا.

التمثال من إبداعات الفنان البصري علي عاشور, وبتمويل من رئيس المهندسين الأستاذ علي خريبط صاحب شركة (بصرة ماس), ورعاية مدير عام الموانئ الكابتن البحري (عمران راضي ثاني). .

عاد إليها مزهر الشاوي بتمثاله الذي شغل مكانه الراسخ في قلوب محبيه من أبناء هذه المدينة التي كانت هي الأجمل, لكنه لم يعد إليها بروحه وأفكاره الوطنية, وشتان بين الحجر والبشر, وشتان بين المعقل الأجمل والمعقل (المبهذل), وشتان بين المعقل, التي كانت عنوانا من عناوين الجمال, ورمزا من رموز التحضر, وبين المعقل التي قتلها الإهمال في الألفية الثالثة حتى صارت عنوانا من عناوين المدن الكئيبة المتخلفة, فالمعقل الحالية لا تشبه المعقل القديمة لا من بعيد ولا من قريب. .

 

عودة الى المحتويات

 

 

 

 

 

معاول المستشفى الجمهوري بالبصرة

 

 المصدر : جريدة المستقبل العراقي / بغداد / 8/3/2012

 

 

كاظم فنجان الحمامي

 

عثر ثلاثة أصدقاء على حفرة قرب بوابة مستشفى, فقال الأول: دعونا نستنجد بسيارة الإسعاف لتقف بجوار الحفرة تحسبا للطوارئ, فقاطعه الثاني, وقال: كلا بل نردم هذه الحفرة ونحفر واحدة أخرى في مكان آخر, فرفض الثالث رفضا قاطعا, وقال لأصدقائه: كلا, كلا, اتركا الحفرة في مكانها, وانقلا المستشفى إلى موقع آخر.

لا ادري ما الذي يجعلني أتذكر هذه النكتة كلما مررت بواجهة المستشفى الجمهورية في البصرة, ونظرت إلى اللافتة المثبتة على الرصيف, عند التقاطع القريب من مصرف الدم. .

الملفت للانتباه إنها تعلن عن مشروع متعدد المحاور, تتكرر فيه عبارة (هدم وبناء) مرات عديدة في متوالية إعلانية تبعث على الدهشة, من مثل: هدم وإعادة بناء المختبر, هدم وإعادة بناء صالة العمليات الأولى, هدم وإعادة بناء ردهة الأنف والإذن والحنجرة, هدم وإعادة بناء ردهة التدرن والأمراض الصدرية, هدم وإعادة بناء ردهة الحروق, هدم وإعادة بناء ردهة الجملة العصبية, هدم وإعادة بناء شعبة العيون, هدم وإعادة بناء مخازن الأدوية. وكأننا نقف أمام حملة شاملة لتهديم أركان المستشفى وردهاتها وقواطعها والمباشرة بإعادة البناء من جديد في المكان نفسه, وفي المساحة القديمة التي شيد عليها المشفى في العقد الأول من القرن الماضي, وصار عندنا انطباع إن البصرة ضاقت بما رحبت, ولم تجد وزارة الصحة إلا هذا المكان المحاصر بأنهار الصرف الصحي, في بيئة أقل ما يقال عنها, إنها لا تصلح للسكن, فما بالك إذا كان المشروع المتعدد الخطوات يتمحور في منطقة تعج بسقائف وكالات بيع الاسمنت ومواد البناء, وتحيط بها طرق مغطاة بطبقات الرمال والأتربة, ولا تبعد عن الكراج المركزي الخاص بالسيارات والحافلات والباصات سوى خطوات معدودات, حيث يطغي ضجيج السيارات وصخبها على الأجواء المشبعة بالهواء الفاسد. .

وهنا لابد لنا من طرح مجموعة من التساؤلات المنطقية, فنقول: أليس الأفضل أن نلجأ إلى البناء الجديد بدلا من التورط بدوامة الهدم والبناء ؟. ثم ما الذي يضطرنا لتحمل تكاليف الهدم والردم والدفان, وتكاليف نقل الأنقاض, وتكاليف إزالة الأسس القديمة الضاربة في عمق الأرض, وتكاليف الإجراءات الوقائية التي يفرضها واقع المنطقة المزدحمة الصاخبة المتربة المزعجة ؟, وما الذي يدفعنا للتضحية بالوقت والجهد, ومواصلة الإصرار على إعادة البناء في مكان لا تتوفر فيه الشروط الصحية ولا البيئية ؟, ألا يعلم المخططون إن التخطيط لبناء مستشفيات جديدة في أماكن أوسع وأجمل يضمن تحقيق نتائج أفضل وأوفر وأكثر نفعا ؟, أما المستشفيات القديمة فيفترض أن تدخل ضمن المواقع التراثية, أو تتحول إلى متاحف ومعاهد صحية, أو مواقع سكنية للأطباء, ويتعين علينا نقل المستشفيات من المناطق المكتظة إلى الضواحي الريفية الفسيحة, فالنمو العمراني في البصرة يحتاج إلى تفرغ علمي لدراسته, حتى نستطيع التعمق بالرؤية المستقبلية لما يجب أن تكون عليه مشاريعنا المرتقبة, ويحقق لنا التغلب على الظواهر التنموية السلبية, وفي مقدمتها التقوقع في الأماكن العتيقة المزدحمة بالسكان, مع وجوب الاستفادة القصوى من نظم المعلومات الجغرافية عند البحث عن الأماكن المناسبة لبناء المستشفيات, حيث ينبغي أن يبعد الموقع عن أقرب طريق رئيس بنحو (500) مترا, وان يبعد عن أقرب مستشفى بحوالي عشرة كيلومترات, وأن يكون قريبا من شبكات المياه العذبة, والطاقة الكهربائية, وقنوات الصرف الصحي, مع وجوب مراعاة الشروط البيئية في ضوء المعايير القياسية التي أقرتها منظمة الصحة الدولية. .

 

 

 

 

ختاما نقول نأمل أن تحمل التصاميم الجديدة سمات العمارة الموروثة في البصرة, كالشناشيل والشرفات الخشبية, التي تعكس ملامح الفن المعماري الشائع في هذه المدينة المينائية العريقة, وتحمل المعالم التاريخية الأصيلة. وأن لا تكون التصاميم الجديدة عبارة عن كتل خراسانية صماء بكماء, لا تسر المرضى, ولا تبعث في قلوبهم الفرحة والسعادة والأمل. . .

 

 

عودة الى المحتويات

 

 

alhasso.com               صفحة الكاتب كاظم فنجان الحمامي                               Hit Counter 

View our Guest Book                       اعطاء رأيك في دفتر الزوار                     Top of Page        Home Page